عرفت إسرائيل في تاريخها عمليات احتجاز رهائن عدة حُل بعضها بالسبل الديبلوماسية والبعض الآخر بالقوة، إلا أن ملف الرهائن أو الأسرى المحتجزين لدى “حماس” في عملية “طوفان الأقصى” وصل عددهم إلى نحو 150، وهي معضلة لم يسبق لدولة الاحتلال أن واجهتها وراكمت صعوباتها في إدارة الحرب وأضعفتها.
يذكر ملف الأسرى بمحطات مؤلمة في تاريخ إسرائيل، فخلال دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972 قتلت مجموعة فلسطينية مسلحة 11 رياضياً إسرائيلياً، وفي هجوم عام 1976 على مطار عنتيبي في أوغندا تمكنت إسرائيل من تنفيذ عملية لتحرير رهائن كانوا محتجزين في طائرة خطفها مقاتلون فلسطينيون.
ولا ينسى الاسرائيلون مشهد الهزيمة الذي مني بها جيشهم عام 1973 من الجيش المصري، ولعل مشهد عودة جنودهم الأسرى بـ “الكاستور” أمام مرأى القيادات الاسرائيلية بقي محفوراً في الذاكرة الاسرائيلية منذ ذلك الوقت حتى عملية “طوفان الأقصى”، والتي تعد أقسى من حرب 1973 على إسرائيل حتى من خلال عملية إحتجاز الأسرى.
في العام 2004، أفرجت إسرائيل عن نحو 450 معتقلاً فلسطينياً في مقابل الافراج عن رجل أعمال إسرائيلي وجثث ثلاثة جنود. وبعد سنتين على ذلك، انطلقت مع خطف الجندي جلعاد شاليط عمليات عسكرية إسرائيلية استمرت خمسة أشهر في قطاع غزة. وأفرج عنه بعد خمس سنوات في مقابل الافراج عن 1027 معتقلاً فلسطينياً. وكانت هذه المرة الأولى منذ 26 عاماً التي يخطف فيها عسكري إسرائيلي ويعاد حياً إلى بلاده.
لكن مع “طوفان الأقصى” وتمكن “كتائب عز الدين القسام” من خلخلة أمن إسرائيل عبر دخولها إلى عمق المستوطنات التي سيطرت عليها، باتت طريقة التعاطي مع ملف الأسرى أصعب وأكثر تعقيداً لأن من بين الـ 150 أسيراً لدى “حماس” مدنيون وهذا يشكل إضعافاً للموقف الاسرائيلي حتى في قلب شارعه الذي يحمّل حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية الحرب باعتبارها أخفقت في إدارتها لها ومن بين تلك الاخفاقات ملف الأسرى.
مع إهتزاز الصورة التي بنتها إسرائيل لنفسها طيلة السنوات الماضية على أنها الجيش الذي لا يقهر، كيف لملف الأسرى أن يصعّب على إسرائيل إدارة الحرب أمام “حماس”؟
الكاتب الفلسطيني نهاد أبو غوش قال في حديث لـ”لبنان الكبير”: “في الماضي كان موضوع احتمال نجاح المقاومة، أو أي جهة معادية لإسرائيل، في أسر جنود والاحتفاظ بهم يمثل معضلة رئيسة لدولة الاحتلال يدفعها أحياناً إلى القيام بحسابات دقيقة لخطواتها العسكرية. لذلك، كانت تتردد في القيام باجتياحات برية في سلسلة من الاعتداءات والحروب، خشية وقوع جنودها في الأسر، ولهذه الغاية نفسها ابتدعت اسرائيل تكتيك أو إجراء هانيبال (حنبعل) على الرغم من كل ما فيه من وحشية وقسوة، وهو تكتيك يقوم على استخدام كثافة نارية وتدميرية عالية جداً للقضاء على من يأسرون الأسير حتى لو أدى ذلك إلى موت الأسير أو الأسرى”.
وأوضح أبو غوش أن “المحكمة الاسرائيلية العليا حظرت هذا الاجراء بسبب فظاعته وما يحدثه من صدمة للجمهور الاسرائيلي، لكن تطبيقه ظل قائماً وفق أوامر شفوية من القيادة والضباط إلى الجنود، بحيث يمكن تبريره كأمر عمليات يومي وميداني من دون وقوع هؤلاء الضباط في ورطة قانونية، ومع ذلك ظل يمارس ويطبق في العديد من المعارك ومنها معركتا الشجاعية ورفح في العام 2014، وهناك شكوك قوية بأنه طبق في هذه الحرب وتحديداً في الواقعة المعروفة باسم حفلة الطبيعة والشواهد على ذلك كثيرة ومنها:
– الارتفاع الصاروخي لعدد القتلى الاسرائيليين طيلة أيام الأسبوع من 250 إلى 300 وصولاً إلى 1300 خلال ستة أيام، واعلان المصادر الاسرائيلية عن وجود جثث لـ 1500 عنصر فلسطيني، وفي بعض الفيديوهات التي ظهرت أثناء التمثيل والتنكيل بهذه الجثث تظهر عليها علامات الحرق.
– اغلاق المنطقة اغلاقاً تاماً ومنع الصحافة والأهالي من الوصول اليها بحجة وجود مجموعات مقاتلين، ومعرفتنا جميعا قيمة ما يمثله الأسير الاسرائيلي من كنز وثروة للمقاومة بحيث يجري استبداله بمئات وربما آلاف المعتقلين الفلسطينيين”.
ورأى أن “من الواضح أن اسرائيل لم تعد تراعي هذه الاعتبارات خلال هذه المعركة، لا بالنسبة الى الخسائر في صفوفها في حال شن هجوم بري، ولا بالنسبة الى مصير الأسرى أو احتمال وقوع عدد اضافي في الأسر، فالهدف المعلن تدمير غزة والقضاء على حماس أكبر من أن يقاس بمثل هذه التضحية، كما أن الخسارة الكبرى وقعت وبالتالي لن يزيد الأمر سوءاً بصورة نوعية سقوط مزيد من القتلى سواء كانوا أسرى أو ضمن الجنود الغزاة”.
وكشف أبو غوش أن “موضوع الأسرى في الماضي كان يحتل مكانة مهمة معنوياً وحتى أن هناك طقوساً دينية واجتماعية تبرر ذلك (قضايا زواج الأرامل والارث وحقوق مالية وما شابه ذلك)، والمقولة السائدة أن الدولة التي ترسل أبناءها الى جبهات القتال مسؤولة عن ارجاعهم الى البيت، لكن هذا أيضاً لم يعد محل اهتمام ولا يشكل عائقاً أمام اتساع عمليات الجيش في ضوء الاجماع الصهيوني على أكثر الخيارات تطرفاً والهستيريا التي تسود في الشارع الاسرائيلي وتدعو الى الانتقام وابادة غزة”.
اما بالنسبة الى الموقف من حكومة نتنياهو، فأعرب أبو غوش عن إعتقاده أن “النقمة عارمة وكبيرة، ونتنياهو وحكومته متهمان بأنها ركزا على قضاياهما الشخصية وأحدثا شرخاً في المجتمع واستنزفا الدولة وأضعفا الجيش كما أضعفا روح الانتماء والالتزام، ولكن كل ذلك يضعه الاسرائيليون جانباً ويقولون انه وقت الوحدة والانتقام وبعد ذلك تأتي المحاسبة”.
وأكد الكاتب الفلسطيني أكرم عطا الله أنها “المرة الأولى التي يكون فيها هذا العدد من الأسرى السرائيليين في يد المقاومة الفلسطينية وهي تعتبر سابقة في التاريخ الإسرائيلي باعتبار أنه كان لديهم في السابق أسير أو إثنان أو حتى رهائن في حدث موضعي ينتهي بإنتهاء تلك العملية أو الحدث”، معتبراً أن “أعداد الأسرى المتصاعدة بهذا الشكل أصابت إسرائيل بصدمة وهذا ما عقد الأمر بالنسبة اليها، ويقف خلف كل القسوة التي تستعملها ضد قطاع غزة”.
ولفت الى أن “من الممكن القول هذه المرة إن إسرائيل فقدت توازنها بسبب ما حدث الأمر الذي جعلها تتصرف بهذا الشكل”، مشيراً إلى أن “هناك رأياً إسرائيلياً داخلياً يقول وكأنه ليس لدينا أسرى”.
ورأى أن “الجرح الذي حدث لاسرائيل من خلال الانكشاف الأمني والعسكري في يوم السابع من تشرين الأول جعل موضوع الأسرى وكأنه ليس الموضوع الأولوي، بل موضوع إعادة الهيبة الى الجيش الاسرائيلي وقوة الردع التي إنهارت في طوفان الأقصى هو على رأس أولوياتها وبالتالي موضوع الأسرى يعتبر أقل ضغطاً على إسرائيل من المرات السابقة، وفي لحظة من اللحظات إعتبرتهم في عداد القتلى لأن الجرح الاسرائيلي أكبر هذه المرة لأن الدولة كلها شعرت بإنهيار أمنها القومي من خلال إنهيار قوة الردع، وبالتالي باتت إسرائيل تبحث عن قوة الردع أكثر من موضوع الرهائن”.


