إستراتيجية أنفاق غزة (٢)… مدينة موازية تحت الأرض للمواجهة

زياد سامي عيتاني

ربما تعتبر عبارة “العنكبوت المتفرع الأذرع”، واحدة من عبارات عدة أدخلتها أنفاق غزة الى قاموس الجيش الاسرائيلي، بعد أن فوجئ بضخامتها وكثرتها، وتعتبر المشكلة رقم واحد له في حال قرر غزو المدينة، فعلى الرغم من أنه يعرف عن الأنفاق التي جرى حفرها على مدى سنوات وتطويرها وتجهيزها، لكنه لم يتمكن من العثور إلا على بعضها فقط، ما يعني أن نجاح المقاومة في تنفيذ عمليات الأنفاق طيلة مواجهتها المفتوحة مع الجيش الاسرائيلي لم يكن صدفة.

وتكمن خطورة أسلوب الأنفاق في ابتعادها عن ظروف المواجهة التقليدية واجراءاتها، واعتمادها على مفاجأة العدو بضربة عنيفة قاتلة، لا تدع له فرصة للنجاة والافلات، أو تتيح له إمكان المواجهة والتصدي والرد بالمثل. وحسب معلومات أجهزة المخابرات الاسرائيلية، فإن “الحفارين” الفلسطينيين المتخصصين بحفر الأنفاق يعتادون النزول الى باطن الأرض بعد فترة طويلة من عدم شربهم الماء حتى لا يعرقوا، فالعرق قد يتسبب بانهيار النفق أثناء العمل، ويتم الحفر عموماً بواسطة جهاز ميكانيكي وليس كهربائياً حتى لا يصدر ضجيجاً.

إرتكز جهاز الحفر على سلسلة تشبه الدراجات الهوائية، بحيث تقوم بتحريك قطع حديدية تحفر الرمل، وأثناء تشغيل الآلة يستلقي الرجل على ظهره، ويقوم بتحريك الدعاسات، ويتم الحفر بعضلات الأرجل وهي الأقوى في عضلات الجسم، وتمكن من الصمود طويلاً. ولضمان عدم حدوث انهيارات داخل النفق خلال حفره وبعده، غالباً ما يستخدم شكل مستطيل من الخشب المقوى لمنع حدوث انزلاقات رملية، وقد دفع ذلك الجيش الى وصف الأنفاق بأنها “أنبوب الأوكسجين للنشاطات المعادية”، وجعلته في حيرة من أمره!

حفر الأنفاق إعتمد على العمل الهادئ الذي يتم بموجبه حفر نفق أو أنفاق تحت الأرض، بوسائل ومعدات بسيطة، والمثابرة على العمل من دون ضجيج، وفق إحداثيات جغرافية معدة سلفاً، من دون أي ظهور مباشر على سطح الأرض، ما يحرم الجيش الاسرائيلي من إمكان التعامل مع هذا الموضوع، وإحباط المخطط الفلسطيني، أو التصدي له حال التنفيذ، كونه يعتمد على عامل المفاجأة الذي يربك العدو من خلال تفجير أو تفجيرات فورية متتابعة تحقق مبتغاها، وتنشر الموت والدمار في الموقع المستهدف، وتوقع فيه أفدح الخسائر.

وتعكس الأنفاق مشكلة الاستخبارات الاسرائيلية، لأنها وضعت على نحو متأخر في مكان عال في سلم أولويات المخابرات التي وجدت صعوبة في أن توفر للجيش معلومات نوعية. وعلق المراسل العسكري عاموس هريئيل في تعقيبه على حرب الأنفاق قائلاً: “إذا كان ثمة شيء بات واضحاً تماماً في الحرب الطويلة التي تخوضها إسرائيل ضد الفلسطينيين، فهو ضرورة إبداء الحذر وضبط النفس عند الحديث عن نجاحات عسكرية تنفيذية، لأنه ما من انتصارات كبرى في هذا الصراع، ولا حتى حاسمة، لما تشكله الأنفاق من سلاح إستراتيجي بيد الفلسطينيين”.

قيادة الجيش الاسرائيلي استنفرت وحداتها للبحث عن حل عسكري للأنفاق، ما دفع بالعقيد تسفيكا فوكس من سلاح المشاة الى أن يؤكد أن الحل الحقيقي تكنولوجي، فالحل الخيالي بأن تقوم طائرة من دون طيار بالتصوير عن طريق الأشعة السينية لسطح الأرض وتكشف الأنفاق، قد لا يكون موجوداً في الفترة القريبة. وأسدى الكثير من الخبراء العسكريين النصائح لقيادة الجيش، ومن أهمها إرسال خبراء عسكريين إسرائيليين إلى فيتنام للتدرب على مكافحة إحباط عمليات الأنفاق بعد تكرارها، بحيث يمتلك الفيتناميون خبرات كبيرة في حفر الأنفاق خلال حربهم ضد الولايات المتحدة الأميركية.

وبعد كل هذا البحث، وعقب إعمال مئات المختصين فكرهم في محاولات للتوصل إلى بارقة أمل تكنولوجية تمكن من تحديد الأنفاق وتدميرها، جاءت الاجابة: نحن مضطرون للاعتراف بأن لا حل سحرياً لدى الجيش لمشكلة الأنفاق! على الرغم من استخدامه أسلوباً آخر تمثل بإضافة خراطيم المياه لتدميرها، ففي اعتقاد الجيش أن هذه الخراطيم ستحدد مكان النفق، وستتغلغل المياه إلى داخله، ثم تؤدي إلى انهياره. صحيح أنّ الجيش الإسرائيلي دمّر عدداً منها، لكن الأنفاق الإستراتيجية لم تصب بسوء، وتعمل بكامل جهوزيّتها اللوجيستيّة، من حيث مخزون الماء والأغذية والأسلحة، وهي مزوّدة بنظام للتهوئة وبخطوط للكهرباء، ولذلك فإن ما تمثله الأنفاق من نقطة قوة لمقاتلي “حماس” يبرز إذا دخل الجيش في قلب غزة لأنها منتشرة تحت كل شارع وزقاق فيها، ما يضيف أوراق قوة جديدة للمقاومة، ويعمّق الأزمة العسكرية لاسرائيل، ويخلق مشكلات أمنية لا حصر لها أمام جيشها.

والهاجس الاسرائيلي من الأنفاق في غزة مرده إلى غموضها والى المعلومات المخابراتية عن تجهيزها وإعدادها بصورة جيدة لخوض معارك طويلة مع الجيش الاسرائيلي، خصوصاً أنها لعبت الدور الأكثر محورية في استنزافه سابقاً، بحيث كبدته خسائر فادحة في الأرواح والعتاد العسكري، عبر العمليات الهجومية التي فاجأت وحدات النخبة، وجرّعتها طعم الهزيمة والانكسار في أحياء التفاحة والشجاعية وشرق خان يونس ورفح وبيت حانون، فضلاً عن عمليات التسلل خلف خطوط العدو التي نفذتها المقاومة باقتدار كبير واحترافية عالية من خلال أنفاق متوسطة المدى استهدفت مواقع عسكرية في المستوطنات والمناطق القريبة من قطاع غزة، وأسفرت عن مقتل وجرح الكثير من جنود الاحتلال.

لا تخفي قيادة الجيش الاسرائيلي خشيتها من أن توظف المقاومة الأنفاق الممتدة من قطاع غزة الى ما وراء الحدود مع إسرائيل، في عدد من السيناريوهات المتوقعة:

1- التسلل خلف خطوط الجيش أثناء توغله في القطاع، والهجوم على مؤخرة القوات الغازية.

2- استخدام الأنفاق في تسهيل عمليات خطف الجنود.

3- انطلاق عناصر القسام عبر الأنفاق لتنفيذ عمليات في قلب التجمعات الاستيطانية، مع تواصل العمليات العسكرية في القطاع.

مدينة غزة الأرضية المدمرة، والتي سويت غالبية مناطقها بالأرض جراء وحشية القصف الوحشي الاجرامي للعدو الاسرائيلي وهمجيته، والذي إعتمد سياسة الأرض المحروقة، تقابلها مدينة أخرى تحت الأرض من خلال الشبكة العنكبوتية للأنفاق. ويشعر المقاومون وهم داخل شبكة الممرات الواقعة تحت أرض القطاع، وكأنهم في بيوتهم، حيث يسيرون ويتجولون فيها بسلاسة وأريحية. كيف لا وهم حفروها بأياديهم وأظفارهم، تحضيراً للمواجهة الكبرى مع العدو الصحهيوني؟

إذاً غزة تحت الأرض، غير غزة فوق الأرض.

شارك المقال