غزة في 2024… أهداف اسرائيل و”حماس” من الحرب بعيدة المنال

لبنان الكبير

تبدو أهداف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعيم حركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية “حماس” في غزة يحيى السنوار من الحرب في القطاع بعيدة المنال في العام 2024، وقد يؤدي قتالهما إلى تعريض الأراضي الفلسطينية لمزيد من الدمار واستمرار الاحتلال الاسرائيلي الى أجل غير مسمى.

ويسعى نتنياهو إلى القضاء على “حماس” بسبب هجومها في السابع من تشرين الأول، وهو اليوم الأكثر دموية في تاريخ إسرائيل، ويبدو أنه على استعداد لتسوية جزء كبير من قطاع غزة بالأرض والمخاطرة بإعادة فرض الاحتلال العسكري في الجيب الذي تركته إسرائيل في العام 2005.

ويأمل السنوار في مبادلة الرهائن المتبقين، من إجمالي 240 رهينة احتجزتهم “حماس” والفصائل المتحالفة معها في هجوم السابع من تشرين، بآلاف السجناء الفلسطينيين وإنهاء الحصار الاسرائيلي لغزة وإعادة طرح إقامة الدولة الفلسطينية مجدداً.

ما الأهمية؟

شعر الفلسطينيون في البداية بالفخر لأن مقاتلي “حماس” حطموا صورة إسرائيل التي لا تقهر، لكنهم سرعان ما أدركوا أن الهجوم سيؤدي إلى رد فعل مرعب.

وأدى القصف على مدى أسابيع إلى تدمير جزء كبير من القطاع الذي تديره “حماس”. وأعلنت السلطات الصحية الفلسطينية أن الهجوم الإسرائيلي أسفر عن مقتل أكثر من 21 ألف شخص وإصابة 55 ألفاً حتى الآن، في حين قالت وكالات الاغاثة ومسؤولو الصحة في غزة إن القتال أدى الى نزوح 1.9 مليون شخص عن ديارهم.

تتحصن “حماس” والآلاف من مقاتليها في عمق المدن ومخيمات اللاجئين المكتظة بالسكان في القطاع، ولا مؤشرات تذكر على قرب هزيمتها، إذ تتواصل المعارك في أنحاء القطاع ولا يزال قادة الحركة طلقاء.

وعبّر الجيش الاسرائيلي عن أسفه لمقتل مدنيين، لكنه اتهم “حماس” بشن هجماتها انطلاقاً من مناطق مكتظة بالسكان أو يستخدمون المدنيين دروعاً بشرية، وهو ما تنفيه الحركة.

ماذا يعني ذلك لعام 2024؟

يتوقع رئيس أركان الجيش الاسرائيلي أن تستمر الحرب لعدة أشهر. وحتى إذا انتهت الحرب في أوائل العام المقبل، فمن المرجح أن تبقي إسرائيل على احتلالها العسكري، ما سيثير استياء حلفائها بينما يعاني الفلسطينيون داخل عدد ضخم من الخيام المؤقتة التي نصبوها على حدود القطاع مع مصر.

ولم يكشف نتنياهو بعد عن خطة للوضع في غزة فيما بعد الحرب، لكن حكومته أبلغت عدة دول عربية أنها تريد إقامة منطقة عازلة لمنع تكرار هجوم السابع من تشرين الأول الذي تقول إسرائيل إن “حماس” قتلت فيه 1200 شخص.

ولا يبدو أن إسرائيل ستقبل في وقت قريب بوجود أي سلطة فلسطينية تكون قادرة على تولي زمام الأمور وإحكام السيطرة على القطاع، كما أن “حماس” لن تتخلى عن سيطرتها بسهولة. وليست هنالك كذلك رغبة لدى معظم الدول العربية في الانخراط في هذا الصراع، وهذا يعني استمرار الاحتلال الاسرائيلي والحصار وعدم البدء فعلياً في عملية إعادة الإعمار.

ويواجه نتنياهو وإسرائيل مخاطر مع انتشار القوات في منطقة حرب حضرية خطيرة وتحول الرأي العام العالمي ضدهما، لكن المخاطر بالنسبة الى السنوار ربما تكون أكبر. وإذا نجا بحياته من هذا الهجوم، فسيجد نفسه وسط قطاع عمّه الدمار ومن دون قدرات عسكرية أو بالكاد ضعيفة وسكانه يعانون الجوع والتشرد.

وقال جوست آر. هلترمان مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية “لا أعتقد أن هناك رغبة كبيرة لدى أي شخص في تولي زمام الأمور في غزة واحتلالها بخلاف الاسرائيليين. لذا فإن الطريق الواقعي للمضي قدماً، والذي لا أؤيده على الاطلاق، هو عودة الاحتلال الاسرائيلي”. ورأى أن “من الصعب جداً التفكير في أن من الممكن لاسرائيل أن تنسحب من غزة”.

احتلال طويل الأمد

يقول معظم الساسة والمحللين إن الرؤية الاسرائيلية لغزة فيما بعد الحرب حتى الآن هي محاكاة نموذج الضفة الغربية المحتلة من خلال وجود سلطة معينة لادارة الشؤون المدنية بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية.

والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، والتي طردتها “حماس” من غزة عام 2007 عندما سيطرت عليها، غير مقبولة بالنسبة الى إسرائيل على الرغم من إصرار حليفتها الولايات المتحدة.

وأشار سياسيان من المنطقة لـ “رويترز” الى أن إسرائيل تفضل بدلاً من ذلك وجود سلطة متعددة الجنسيات تضم حلفاء عرباً ومجلساً فلسطينياً وتكنوقراط.

وقال وزير الخارجية الأردني السابق مروان المعشر، الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس الدراسات في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” في واشنطن: “ليست هناك أي دولة عربية تريد السيطرة على غزة، التي ستتعامل إسرائيل بعد الحرب معها كما تتعامل مع الضفة الغربية”. وأشار إلى أن القوات الاسرائيلية ستكون لها حرية الدخول والخروج من القطاع.

وقد يعني ذلك أن تقدم الأمم المتحدة والوكالات الانسانية الخدمات داخل غزة إلى أن تقنع واشنطن إسرائيل بقبول حكم السلطة الفلسطينية للقطاع، بعد تعزيزها، أو الموافقة على بعض الترتيبات الأخرى.

وقال المحلل الفلسطيني غسان الخطيب: “لا أعتقد أن إسرائيل ستترك غزة عسكرياً. ستحتفظ بالمسؤولية الأمنية التي ستسمح لقواتها بالدخول والهجوم والمداهمة والاعتقال عندما تريد وكما تريد”.

أضاف: “إنهم لا يريدون الانسحاب عسكرياً من غزة لأن حماس ستعيد تنظيم صفوفها. ستكون مسألة وقت، سنة أو سنتين أو ثلاث وستعود الأمور إلى ما كانت عليه”.

وأعلن نتنياهو أن إسرائيل ستحتفظ بشكل ما من أشكال السيطرة الأمنية على قطاع غزة بأكمله إلى أجل غير مسمى، على الرغم من تشديده على أن ذلك لن يصل إلى حد إعادة احتلال القطاع. ووصف الحرب بأنها اختبار وجودي لاسرائيل، وقال مراراً إن الحرب لن تنتهي إلا بعد القضاء على قادة “حماس” وقدراتها العسكرية.

وأكد مسؤول إسرائيلي كبير في مؤتمر صحافي هذا الشهر أن إسرائيل لا تريد أن تسيطر “حماس” أو السلطة الفلسطينية على غزة بعد انتهاء القتال، كما أنها لن ترغب في أن تدير بنفسها حياة 2.2 مليون فلسطيني في غزة.

وقال المسؤول: “على العكس من ذلك، نريد أن نرى إدارة محلية يرأسها فلسطينيون، قيادة قادرة على العمل من أجل مستقبل الشعب الفلسطيني وأفقه بمساعدة الدول العربية المعتدلة والعالم أجمع. وقد يستغرق الأمر وقتاً”.

حملة فوضوية

يقول محللون إن القضاء على “حماس” سيؤدي على الأرجح إلى مقتل آلاف آخرين من المدنيين وتدمير ما تبقى من غزة وتشريد المزيد من مئات الآلاف من سكان غزة، وربما نزوح جماعي إلى مصر على الرغم من اعتراضات القاهرة.

وإصرار إسرائيل على القضاء على “حماس” قد يخضع إلى إعادة تقويم أو تحول في استراتيجيتها. ويقول مصدران من المنطقة إن إسرائيل ربما تحاول على المدى الطويل شن غارات أكثر تركيزاً على قادة “حماس” أو مقاتليها. لكن القضاء على القادة البارزين لن يكون كافياً لكي تعلن إسرائيل القضاء على الحركة والنصر وانتهاء الحرب. وغالبية قادة “حماس” الآن هم بالفعل من أحفاد لقادة اغتالتهم إسرائيل في السابق.

وقال الخطيب: “قتل القيادة لا يؤثر على حركة لها تسلسل هرمي تنظيمي وقاعدة شعبية كاملة. إذا قتلوا أحدهم، فسيتولى آخر كما رأينا من قبل”.

ويرى معظم المحللين أنه سيكون من المستحيل تقريباً القضاء على أيديولوجية حركة “حماس” التي أظهرت استطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة زيادة شعبيتها.

عدوى في المنطقة

أدت الحرب الى انتشار أوسع للقوات العسكرية الأميركية في المنطقة، والذي تضمن وجود حاملات الطائرات. وكلما طال أمدها وزاد الدمار، زاد خطر التصعيد في المنطقة.

وتزداد المخاوف من امتداد رقعة الصراع حتى لو حافظت إيران والفصائل المسلحة التابعة لها في لبنان والعراق واليمن على دعمها إلى حد كبير لـ”حماس” لشن هجمات منخفضة الشدة على إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة.

وهاجمت قوات الحوثي المتحالفة مع إيران سفناً في البحر الأحمر، ما أدى إلى تعطيل طرق التجارة العالمية. وتعهدت الجماعة بتوجيه هجمات على السفن الحربية الأميركية إذا تعرضت قواتها لهجوم من واشنطن التي شكلت قوة تحالف لمواجهة هجمات الحوثيين.

وأخطر نقطة اشتعال هي الحدود الفلسطينية – اللبنانية حيث يتبادل “حزب الله” وإسرائيل إطلاق الصواريخ والهجمات منذ السابع من تشرين الأول.

وقال المصدران من المنطقة: “على الرغم من تركيز إسرائيل على الحرب في غزة، فإنها عازمة أيضاً على إبعاد حزب الله عن حدودها الشمالية وإعادة عشرات الآلاف من الاسرائيليين إلى منازلهم التي أخلوها بسبب الصواريخ التي تطلقها الجماعة اللبنانية”.

لا أفق

ليس هناك ما يشير الآن إلى أن الحرب ستؤدي إلى إحياء خطوات السلام المتوقفة وتحقيق حل الدولتين كما تأمل واشنطن.
ورأى المصدران ومحللون أن العدد المتزايد من الغارات التي ينفذها الجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية، وتجدد عنف المستوطنين ومصادرة الأراضي الفلسطينية وإلقاء القبض على ناشطين ومسلحين هناك، تغلق الباب أمام أي فرص للتسوية.
واعتبروا أن الفكرة التي يروج لها الغرب بأن القضاء على “حماس” سيسمح في نهاية المطاف بعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة ويعطي دفعة جديدة نحو إقامة دولة فلسطينية مجرد وهم.

وقال الخطيب، وهو أستاذ السياسة في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية: “أعتقد أن هذه الحرب سيكون لها رد فعل شديد وتأثير على المجتمع الاسرائيلي. فإسرائيل كمجتمع ونخبة سياسية ستصبح أكثر تطرفاً”، مضيفاً: “لا يوجد أفق سياسي، وكل ما تبقى قد تبخر”.

شارك المقال