موقع مستقل | الناشر ورئيس التحرير: محمد نمر

4 آب المفصلي: تنفيس الاحتقان بحكومة أم تسريع التدهور

سياسة 1 آب , 2021 - 12:20 ص
انفجار مرفأ بيروت

لبنان الكبير

 

شبح الذكرى المأسوية لانفجار 4 آب الكارثي واضطرار القوى السياسية، سواء كانت في الحكم أو جزءاً من اللاعبين من خارج السلطة، إلى التأكيد على رفع الحصانات لمعرفة الحقيقة، يخيم على المشهد السياسي، ويكاد يطغى على الأزمة السياسية التي تتسبب بالفراغ الحكومي. بات رفع الحصانات موضوع إجماع هذه القوى، نظراً إلى تأثيره ليس فقط على سير التحقيق العدلي بالمعنى التقني، وعلى صورتها أمام الجمهور الواسع وأهالي الضحايا، بل على آثاره السياسية والانتخابية وسمعة قيادات ومسؤولين كبار.

تطغى الجوانب الإنسانية والحسرة العامة على ما سمي مفاعيل "جريمة العصر" على أي موضوع آخر. وهي تنضم إلى الوجع الشعبي جراء الوضع اللاإنساني الذي يعيشه اللبنانيون، بفعل تمادي الأزمة المالية الاقتصادية وانعكاسها على حياتهم في كل ساعة، بل كل دقيقة، مع فقدان الأدوية والكهرباء والمازوت وعجز الطبقات الفقيرة عن تأمين الحد الأدنى من الغذاء. وهذا ما يجعل ذكرى 4 آب تختلط بشعارات ثورة 17 تشرين ضد الطبقة السياسية.

وفي وقت تتقدم المأساة في وسائل الإعلام حتى على أخبار تشكيل الحكومة، وأنباء المحاصصة في توزيع الوزارات، فإن تاريخ 4 آب بات يختزل الكثير من عوامل الأزمة اللبنانية بأسبابها الداخلية وأبعادها الخارجية. حتى التحقيقات العدلية في انفجار العنبر الرقم 12 تأخذ بعداً خارجياً مع تكرار نشر الشبهات حول تورط شركات مسجلة في الخارج، شكلت واجهة لاستيراد نيترات الأمونيوم لاستخدامها في البراميل المتفجرة في سوريا. واتهام بعض الجهات سواء مباشرة أو تلميحاً لـ"حزب الله" بأنه حمى تخزينها في المرفأ، ونقلها، سواء صح أم لم يصح، فإنه يأخذ الاتهامات نحو البعد الخارجي، إضافة إلى المحلي.

وإذا كان إثبات هذه الشبهات ينتظر استكمال القضاء العدلي مهمته، ويتطلب منه متابعة ما أثارته وسائل إعلام محلية (تلفزيون الجديد) ودولية (الغارديان ولو فيغارو...) وتقارير جهات ومراكز متخصصة (آخرها تقرير إف بي آي عن أن الكمية المنفجرة هي 20 في المئة من الـ2754 طناً من نيترات الأمونيوم، فإن ثقل هذه الذكرى فرض نفسه على الداخل والخارج.

ليس صدفة أن يجري بث الآمال عند اللبنانيين بإمكان إنهاء الفراغ الحكومي وولادة الحكومة قبل 4 آب، حيث ما زال بعض الأوساط المسؤولة يسرب بأن هناك جهداً سيبذل في اليومين المقبلين لمحاولة معالجة نقاط التباعد بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف نجيب ميقاتي لعل الحكومة تولد مع الذكرى على رغم استبعاد الثاني ذلك. البعض من الذين كانوا تشاءموا بإمكان نجاح المخاطرة التي يخوضها ميقاتي مع الفريق الرئاسي ومطالبه التي أخرجت الرئيس سعد الحريري من حلبة التأليف قبل أسبوعين، بعد 9 أشهر من الأخذ والرد، أخذ يسأل: هل يلجأ من هم في السلطة إلى تسهيل قيام الحكومة لعله يستوعب بذلك الحملات على رفع الحصانات، وينفس الاحتقان لأن مجرد ولادتها سيكون له مفعول سريع ولو مؤقت في إراحة البلد، تمهيداً لوقف الانهيار؟

مصدر التساؤل أن فرصة الأيام الثلاثة التي تفصل بين الاجتماع الثالث والاجتماع الرابع بين عون وميقاتي كانت مساحة زمنية للتفتيش عن حلول وسط للعقد الرئيسة، أي من يسمي وزيرا الداخلية والعدل؟ وهل يحصل رئيس الجمهورية على الثلث المعطل تحت عنوان إصراره على تسمية 9 وزراء مسيحيين في حصته، يضافون إلى الوزير الدرزي الذي سيسميه حليفه النائب طلال أرسلان؟ والبحث جارٍ عن إسم مسيحي للداخلية يكون مشتركاً بين الجميع يمكن أن يقبل به ميقاتي على رغم تأكيد أوساطه في السر والعلن أنه يستحيل تقديمه أي تنازل عن السقف الذي اتفق مع رؤساء الحكومات السابقين عليه.

ليس صدفة أن يحدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موعد المؤتمر من أجل جمع مساعدات للشعب اللبناني في التاريخ المشؤوم. الجميع يبحث عن إنجاز ما للتخفيف من وقع المأساة.

ليس صدفة أيضاً أن تصدر الآلية القانونية لفرض عقوبات على معرقلي العملية السياسية وتشكيل الحكومة منها، قبل أسبوع من 4 آب. والمعطيات في هذا الصدد أن رجال السلطة، ولا سيما الفريق الرئاسي تبلغوا بقساوة العقوبات عليهم إذا فرضت. وما ترحيب وزيري الخارجية والخزانة الأميركيين أنطوني بلينكن وجانيت يلين، في بيانهما المشترك بالآلية الأوروبية ، إلا إشارة إلى أن العقوبات يمكن أن تكون مشتركة، أوروبية أميركية إذا وضعت لائحة أسماء من تستدهفهم، بحسب المتابعين للاتصالات الفرنسية مع واشنطن. وهما طالبا القادة اللبنانيين بوضع حد للفساد المستشري وتقاعس الحكومة عن العمل، وتشكيل حكومة يمكنها الشروع في الإصلاحات الضرورية لمعالجة الوضع المتردّي". كما أن بلينكن ويلين حددا الهدف "بفرض تغييرات للسلوك وتعزيز مساءلة الفاعلين والقادة الفاسدين".

ونجاح الرئيس الفرنسي ماكرون في إقناع الرئيس الأميركي جو بايدن بالمشاركة في مؤتمر الدعم هذا تطور له دلالة على رغم قرار واشنطن عدم الانغماس في المشاكل الشرق أوسطية ومنها لبنان. لكن مشاركته تعبير عن التزام إدارته دعم التحرك الفرنسي حيال لبنان تجاوباً مع مطالبته من قبل باريس، والفاتيكان، ومن دول عربية عدة، ومن بعض رجال الكونغرس الأميركي، بأن يسعى لإنقاذ لبنان من الانهيار. فاشتراك بايدن بإلقاء كلمة في المؤتمر لا بد من أن يشجع دولاً أخرى على الانخراط في هذا الجهد، أحجمت سابقاً عن المشاركة.

يمكن القول إن هناك حركة سياسية محلية وخارجية تحيط بذكرى مرور سنة على المأساة، شبيهة بتلك التي حصلت عند وقوع المأساة في 4 آب 2020 ، حين أدت إلى خلط الأوراق محلياً باستقالة الحكومة، وحين استنفر العالم لمساعدة البلد المهيض الجناح. وبهذا المعنى يصح قول البعض إن الذكرى، يوم الأربعاء المقبل ستكون مفصلية، مع أن مطلقي هذا التوصيف قصدوا الإضاءة على حجم الاحتجاج الشعبي الذي سيظهر في الشارع.

في المقابل قد ينتهي الجهد المحلي والخارجي المكثف لمناسبة الذكرى السنوية إلى فشل لا يلغي اعتبار إحيائها مفصلياً، لأنه يطلق مرحلة جديدة من التأزم في البلد.

فبعض الأوساط، لا يتوقف كثيراً أمام العقبات المحلية المفتعلة، والتي تقود بعض الأطراف إلى تكبير الحجر على طريق افتعال العقبات، بالدعوة إلى إنهاء الجمهورية الثانية من أجل ولوج الثالثة، كما فعل رئيس "التيار الوطني الحر". وفي اعتقاد هذه الأوساط أن الفريق الرئاسي وباسيل أضعف من أن يتمكنا من مواجهة موقف دولي بهذا التشدد، لو لم يكن مشحوناً بموقف خارجي مقابل، يمثله الحليف القوي لعون وباسيل، ما زال يبقي على الفراغ الحكومي ورقة معلقة في إطار المفاوضات الأميركية الإيرانية.

تسأل هذه الأوساط، كيف تقبل طهران بتسهيل أمور لبنان على رغم ما يعانيه الشعب اللبناني الذي لا تهتم لأوضاعه في ظل مظاهر التصعيد الذي يشهده الإقليم؟

وتعدد هذه الأوساط بعض هذه العوامل بالآتي:

-إعلان خامنئي أنه لا يمكن الوثوق بالغرب وأن الولايات المتحدة طلبت البحث في فيينا ببرنامج الصواريخ الباليستية والوضع الإقليمي، أي نفوذ إيران في الدول المحيطة، ورفضه لهذا الطرح. فهو اعتبر أن الهدف إعطاء المجال لواشنطن أن تقول إن هناك خرقاً للاتفاق لسبب يتعلق بعلاقات طهران مع بعض الجهات في المنطقة.

- إطلاق الحشد الشعبي صاروخين على محيط السفارة الأميركية في بغداد فيما كان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أنهى للتو محادثاته مع الرئيس الأميركي جو بايدن والتي شملت إعلان إنهاء المهمة القتالية للقوات الأميركية في العراق.

- قصف ناقلة نفط تعود حمولتها لإسرائيل في بحر العرب في تصعيد للحرب البحرية بين إيران وإسرائيل وتسريب طهران أنه رد على القصف الإسرائيلي على مطار الضبعة في محيط منطقة القصير السورية في 22 تموز. وأدى هذا القصف إلى مقتل إيرانيين، فيما ترددت معلومات أن قتلى إيرانيين سقطوا في هذا القصف إضافة إلى عناصر من "حزب الله".

إقرأ أيضاً: زيارة باسيل لموسكو: مطالب صغيرة بشعارات كبيرة وثلث معطل مواربة

-استنفار إسرائيلي ومن قبل "حزب الله"، على الجبهتين الجنوبيتين السورية واللبنانية بعد قصف مطار الضبعة في سوريا.

- مواصلة الحوثيين اعتداءاتهم على الجانب السعودي، حيث أفادت المعلومات أن الرياض أحبطت محاولة استهداف ناقلة نفط تابعة لها بمسيرة مفخخة.

الوسط المتشائم من إمكان إحداث خرق في جدار الانسداد الحكومي يستند أيضاً إلى أن التنسيق بين "التيار الوطني الحر" وبين قيادة "حزب الله" وثيق لدرجة تتيح للفريق الرئاسي أن يطرح الشروط المانعة لولادة الحكومة وفق ما يراه مناسباً.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us