لماذا يثير نزوح الفلسطينيين في حرب غزة قلق الأمم المتحدة والعرب؟

لبنان الكبير
مخيم خيام في رفح جنوبي قطاع غزة، شباط 2024. (رويترز)

تثير خطط إسرائيل لاقتحام مدينة تؤوي أكثر من نصف سكان غزة مخاوف دولية من احتمال تفاقم الأزمة الإنسانية المتردية أصلا ودفع الفلسطينيين إلى الفرار عبر الحدود إلى مصر.

وبدأ القصف الجوي الإسرائيلي في الأيام القليلة الماضية يستهدف رفح التي تقع على الحدود المصرية مباشرة حيث يعيش مئات الآلاف من النازحين بسبب العنف شمالا، وهم محاصرون في ظروف يائسة. وتستعد القوات الإسرائيلية لهجوم بري على المدينة الجنوبية.

وأذكت تقارير تفيد بأن مصر تستعد لاحتمال حدوث نزوح جماعي مخاوف الفلسطينيين من احتمال طردهم من القطاع تماما.

وقالت 3 مصادر أمنية إن مصر بدأت تجهيز منطقة صحراوية ببعض المرافق الأساسية التي يمكن استخدامها لإيواء الفلسطينيين. وأكدت المصادر أن هذه خطوة طارئة.

ونفت مصر قيامها بأي استعدادات كهذه.

ماذا وراء المخاوف؟

لطالما شعر الفلسطينيون بذكريات النكبة تطاردهم وتحيطهم بأشباح طرد 700 ألف من منازلهم مع إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948.

فقد طُرد أو فر كثيرون منهم إلى الدول العربية المجاورة، بما في ذلك الأردن وسوريا ولبنان، وما زال كثيرون منهم أو من نسلهم يعيشون في مخيمات اللاجئين في هذه الدول وبعضهم ذهب إلى غزة. وتشكك إسرائيل في الرواية التي مفادها أنهم أُخرجوا من ديارهم.

وشهد الصراع منذ السابع من تشرين الأول قصفا إسرائيليا لم يسبق له مثيل وهجوما بريا في غزة، مما أدى إلى تدمير المناطق الحضرية في جميع أنحاء القطاع. ويقول فلسطينيون ومسؤولو الأمم المتحدة إنه لم تعد هناك أي مناطق آمنة داخل غزة يمكن اتخاذها مأوى.

وقالت منظمة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إن نحو 1.5 مليون شخص يتكدسون في رفح، أي ستة أمثال العدد الذي كان يقطن المدينة قبل السابع من تشرين الأول.

ماذا حدث خلال هذا الصراع؟

قبل شن إسرائيل هجومها البري على غزة، طلبت في البداية من الفلسطينيين في شمال غزة الانتقال إلى ما قالت إنها مناطق آمنة في الجنوب. ومع توسع الهجوم، طلبت منهم إسرائيل التوجه جنوبا نحو رفح.

ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 85 ٪ من 2.3 مليون نسمة يقطنون قطاع غزة، الذي يعد واحدا من أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان في العالم، نزحوا بالفعل من منازلهم وهم الآن مكدسون في منطقة أصغر مساحة بالقرب من الحدود.

ماذا حدث في السابق على حدود غزة؟

لم تقع حرب بهذه الضراوة في غزة من قبل، وفي الصراعات والاشتباكات مع إسرائيل في السنوات القليلة الماضية، لم يحدث فرار جماعي من غزة عبر الحدود. لكن وقعت حوادث تم فيها اختراق حدود غزة مع مصر، على الرغم من أن عدد العابرين كان بالمئات أو الآلاف، ولم يكن هؤلاء الأشخاص يبحثون عن مأوى أو يريدون البقاء.

وفي أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في عام 2005، اخترق الفلسطينيون السياج وتسلقه بعضهم مستخدمين الحبال. وفي أحد الأماكن، نفذ مسلحون فلسطينيون عملية ارتطام بحاجز خرساني لإحداث فجوة.

واخترقت “حماس” الحدود مرة أخرى عام 2008 متحدية الحصار الذي فرضته إسرائيل فيما تشدد مصر الإجراءات على الحدود بعد أن انتزعت الحركة السيطرة على قطاع غزة عام 2007 من السلطة الفلسطينية. وظلت الحدود مخترقة لمدة عشرة أيام تقريبا قبل أن تعيد مصر إغلاقها.

هل يمكن حدوث نزوح كبير في هذا الصراع؟

يقول كثير من الفلسطينيين داخل غزة إنهم لن يغادروا حتى لو أُتيحت لهم الفرصة لأنهم يخشون أن يؤدي ذلك إلى نزوح دائم آخر في تكرار لما حدث في عام 1948. وفي الوقت نفسه، تحكم مصر إغلاق حدودها باستثناء السماح لبضعة آلاف من الأجانب ومزدوجي الجنسية وعدد قليل آخر بمغادرة قطاع غزة.

وتعارض مصر ودول عربية أخرى بشدة أي محاولة لدفع الفلسطينيين عبر الحدود.

وتفوق نطاق هذا الصراع على أزمات وانتفاضات غزة الأخرى في العقود الماضية، وتتفاقم الكارثة الإنسانية للفلسطينيين يوما بعد آخر.

ماذا تقول الدول العربية والأمم المتحدة؟

منذ الأيام الأولى للصراع، قالت الحكومات العربية، لا سيما مصر والأردن، جارتا إسرائيل، إنه يتعين ألا يُطرد الفلسطينيون من الأراضي التي يريدون إقامة دولتهم عليها في المستقبل، والتي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة.

وتخشى هذه الدول، مثل الفلسطينيين، أن تؤدي أي حركة جماعية عبر الحدود إلى تقويض احتمالات التوصل إلى “حل الدولتين” وترك الدول العربية تتعامل مع العواقب.

ومع تفاقم الأزمة الإنسانية، عبر كبار مسؤولي الأمم المتحدة عن المخاوف نفسها بشأن حدوث نزوح جماعي.

وقال الرئيس الأميركي جو بايدن إن إسرائيل يجب ألا تقدم على عملية في رفح دون خطة لضمان سلامة النازحين. وعبر حلفاء آخرون لإسرائيل عن قلقهم من احتمال شن هجوم على رفح.

وقال مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، يوم الخميس (15 شباط) إن فكرة انتقال الناس في غزة إلى مكان آمن محض “وهم”، وحذر من احتمال تدفق الفلسطينيين إلى مصر إذا شنت إسرائيل عملية عسكرية في رفح.

ماذا قالت الحكومة الإسرائيلية وساستها؟

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن رفح “آخر معقل” لـ”حماس” ويوجد بها أربع كتائب من المقاتلين. وأضاف أن إسرائيل لن تحقق هدف القضاء على الحركة ما دامت لا تزال هناك.

وقالت إسرائيل إن جيشها يعد خطة لإجلاء المدنيين من رفح إلى مناطق أخرى من قطاع غزة.

وقال يسرائيل كاتس وزير الخارجية الإسرائيلي يوم الجمعة (16 شباط) إن إسرائيل لا خطط لديها لترحيل الفلسطينيين من غزة، وستجد طريقة لعدم الإضرار بمصالح مصر.

لكن تعليقات بعض الساسة الإسرائيليين أثارت مخاوف الفلسطينيين والعربية من نكبة جديدة.

ودعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يوم 31 كانون الأول السكان الفلسطينيين في غزة إلى مغادرة القطاع المحاصر.

وقال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن الحرب قدمت “فرصة للتركيز على تشجيع هجرة سكان غزة”.

وبعد أن قال وزير الخارجية الأردني وشؤون المغتربين أيمن الصفدي في 10 كانون الأول إن الهجوم الإسرائيلي “مجهود ممنهج لإفراغ قطاع غزة من سكانه”، وصف المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية إيلون ليفي تلك التعليقات بأنها “اتهامات سافرة وكاذبة”.

التداعيات المحتملة بموجب القانون الدولي

قال أندريه نولكامبر، أستاذ القانون الدولي في جامعة أمستردام، إنه إذا اضطرت أعداد كبيرة من سكان غزة إلى الفرار من رفح وعبور الحدود بسبب الهجوم الإسرائيلي فقد يشكل هذا انتهاكا للقانون الإنساني الدولي.

وأضاف أنه إذا كان فرار سكان غزة عبر الحدود نتيجة شعورهم بأن لا خيار أمامهم بسبب التهديد بشن حملة عسكرية كبيرة، فعندئذ “سيكون من الصعب جدا جدا فيما يبدو تسويغ ذلك في ظل القانون الإنساني الدولي”.

وتقول إسرائيل إنه يتعين عليها القضاء على “حماس” وإن عملياتها العسكرية يسوغها مبدأ الدفاع عن النفس. وقالت إنها تبذل كل ما في وسعها لحماية المدنيين وتجنب القتل غير الضروري ومراعاة القانون الدولي في كل الأحوال.

شارك المقال