"رئيسي" منقذاً للنظام الإيراني؟

سياسة 10 آب , 2021 - 12:01 ص
ابراهيم رئيسي والخامنئي

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

يدخل ابراهيم رئيسي إلى قمة السلطة في إيران من أبواب مألوفة ومعروفة، وخبرها الإيرانيون وغيرهم على مدى السنوات الماضية، أبواب يحمل مفاتيحها رجل واحد هو الولي الفقيه، وتوصل معه دائماً وحتى إشعار آخر، إلى مكان خاص هو هجين بين الدولة التي لا تكتمل والثورة التي لا تنتهي.

رئيسي عنوان أكثر من كونه رئيسًا للجمهورية، تماماً مثلما كان الذين مرّوا قبله في التجربة، وعنوان يراد منه القول إن إيران في ذروة قوتها، وإن السنوات الأربع العجاف مع عقوبات دونالد ترامب لم تزعزع تلك القوة ولم تكسرها ولم تجعل الثورة تستكين أمام منطق الدولة وشروطها، أي تماماً عكس الواقع القائم الذي يشير إلى أن الجمهورية الإسلامية لم تعرف في تاريخها أزمة متعددة الطبقات مثل التي تعاني منها راهناً، لا على المستوى الخدماتي ولا على المستوى المالي والاقتصادي ولا على المستوى السياسي المتصل بالداخل من جهة وبالعالم الخارجي من جهة ثانية. وهذا في جملته يفيد بأن النظام المنهك من فشله يريد القول إنه بخير. وليس غير شخص يأتي من خلفية فكرية وإدائية حادة ونافرة يمكنها أن توصل الرسالة، وتعطي إشارتين: الأولى إلى الداخل المتبرم والذي يعبر عن تبرمه كلما لاحت الفرص، والفرص في واقع الحال كثيرة، من انقطاع الطاقة الكهربائية والمائية إلى انقطاع أنفاس الناس عن حرية القول والتعبير بكل صنوفه وضروبه، وأي تعبير عن ذلك التبرم سيقابل بردود يرعاها من هو خبير محلف بالقمع؛ والثانية خارجية تفيد بأن النظام يستأنس بسردية التناقضات: عندما يأتي في واشنطن رئيس أميركي جمهوري وصدامي يأتي في طهران "رئيس" وسطي مسالم وباحث عن السلام والتعايش، وعندما يأتي رئيس أميركي ديمقراطي ووسطي يأتي في طهران رئيس مناقض، غير تسووي ومحافظ وصاحب تاريخ دموي أكيد. وفي الحالتين هناك مرشد واحد يشتغل بالسياسة والاقتصاد والقضاء بقدر اشتغاله بالفقه الديني وأصوله وفصوله. بل في الواقع، يشتغل بكل شيء من باب الإرشاد والرعاية والتوجيه، ويترك لأهل الاختصاص الأمور التنفيذية والتطبيقية.

إيران الضعيفة تريد القول إنها قوية. وإيران المحاصرة عقابياً وديبلوماسياً تريد القول إنها قطب الرحى، وسيدة الفتوحات في العالم، وإن "انتخاب" شخص يملك تاريخاً ثقيلاً ومثقلاً لرئاسة الجمهورية، لا يدل سوى على ذلك الاقتدار الذاتي المنيع وغير السائل عن أحد، وغير المهتم بأحد في هذا العالم، ولا يهم لاحقاً وعملياً، إن تم

ّالنبش بتاريخ الرئيس الجديد، ولا بأحكامه القضائية التي يقال إنها أفضت إلى قتل جماعي لمعارضين في أواخر ثمانينات القرن الماضي.

والمفارقة هي أن ابراهيم رئيسي يلعب اليوم الدور ذاته الذي لعبه في ذلك الحين، أي إعطاء تلك الإشارة الدالة على أن النظام المهزوم في الخارج، قوي ومقاتل ومستعد للفتك بمن يتحداه في الداخل: إعدام الآلاف من المعارضين في العام ١٩٨٨ "تزامن"مع انتهاء الحرب مع العراق بإعلان الهزيمة "وتجرع السم "من خلال القبول أخيراً بوقف النار وإنهاء الحرب... في تلك اللحظة الكبيرة رأى اهل النظام ضرورة حاسمة لارسال رسالة قوة وجبروت إلى الإيرانيين، كافية لمنع من يفكّر منهم بمعارضته من التحرك، وكافية للجم أي سؤال كبير عن أسباب الهزيمة، ولماذا حصلت، ومن يتحمل المسؤولية عنها، ولماذا لم تقبل الوساطات الكبرى عندما عرضت على إيران قبل سنوات ومعها تعويضات خرافية تضاف إلى حقيقة استعادتها الأرض التي سبق واحتلها العراق في بداية الحرب.

كان إبراهيم رئيسي هو العنوان يومها من باب القضاء الثوري. وهو اليوم عنوان من الطراز نفسه لكن من باب السيادة الدستورية ورئاسة الدولة. وفي الحالتين: غلاف مناقض للمضمون، ومظهر قوة لواقع ضعف، وتورية تشير إلى اقتدار وتحدّ فيما الانكسار يشبه الهزيمة التامة والرجاء كل الرجاء، أن ترفع العقوبات وفي أسرع طريقة ممكنة.

وربما لا شيء يدلّ على مدى حراجة الوضع الإيراني داخلياً وخارجياً أكثر من "انتخاب" رئيسي، وأكثر من إرسال إشارات مناقضة للحقيقة وتمويهية وفيها شبه بلاعب الورق الذي يبلف اللاعبين الآخرين ويحاول الإيحاء بأن أوراقه قوية فيما هي فوق الصفر بقليل أو حوله قليلاً. وهذه عدّة شغل إيرانية مألوفة ومعروفة ومكشوفة، أو بالأحرى صارت مكشوفة أمام اساطين في اللعب، وأصحاب نفس طويل وعندهم القدرة على المناورة والتحمل اكثر بكثير من ذلك المدّعي.

ومع ذلك، فإن رئيسي قد يكون عنوانا حقيقياً لرغبة إيران في إيصال رسالة تدل على جديّتها في العودة إلى الاتفاق النووي، باعتبار أن الأقوياء هم الذين يصنعون التسويات الكبرى وقادرون على حمايتها وتسويقها أمام جمهورهم، الذي ضاق ذرعاً بالنظام وارتكاباته ونكساته وتقصيراته بعد نحو خمسين عاما من الثورة التي لم تعرف أن تنتهي ودون الدولة التي لم تعرف كيف تكتمل وتقوم.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us