أنا من ضيّع في الأوهام عمره

عبدالمنعم مصطفى

“أنا من ضيّع في الأوهام عمره”، هذا النص العبقري الذي صاغه الشاعر علي محمود طه في قصيدة “الجندول”، وتغنى به العبقري محمد عبد الوهاب، يصلح نشيداً وطنياً لجيلي وربما لأمتنا كلها.

أكبر أوهامنا أن الغد لنا، وأننا سنكون فيه السادة بعد قرون من التبعية والعبودية، أما ما يجعل أوهامنا مستدامة، فهو أننا لا نفعل أي شيء من أجل الذهاب الى الغد، أو من أجل استحضاره، او حتى استدعاء متطلبات الدخول فيه أو الاشتباك معه.

لم تكن لدي في أي وقت أية أوهام تتعلق بشخصي، أو بعائلتي التي تنتمي الى الشريحة الوسطى في الطبقة الوسطى للمصريين بين ثلاثينيات القرن الماضي وسبعينياته، لم نكن أثرياء في أي وقت، ولم نكن فقراء في أي وقت أيضاً، ربما كانت تنقصنا أشياء، لكننا لم نكن نشعر في أي وقت بأن شيئاً ما ينقصنا.

هل هو الرضا؟!.. ربما.. هل هي القناعة؟!.. ربما.. هل هو الاكتفاء والشبع؟!.. ربما هو كذلك بالفعل، فقد كنا نعيش كما يعيش المصريون في أواخر الخمسينيات وحتى أواسط الستينيات، يكفي أن تطالع في ألبوم الصور لترى أننا كنا نلبس مثلما يلبس الميسورون من حولنا، وأذكر أنني كنت أروي لأبنائي وأنا أفسر لهم ملامح وسمات صورة لي التقطت عام ١٩٦٢، بأن ثيابي في الصورة هي ذاتها التي كان يظهر بها عبد الحليم حافظ، ونجوم الصحافة والسياسة، كلنا كنا نلبس ثياباً من صنع المحلة الكبرى، وبيجامات الشتاء من الكستور القطيفة بألوانه الثرية، أما بيجامات الصيف فمن البوبلين والبروبلين، الذي يحمل بعضه شعارات “مصر البيضا”، أو “مصر سباهي البيضا”، كانت قمصان لينوه الشوربجي حلماً أترقب بلوغه حين أكبر وألتحق بالجامعة.

لا أعرف بالتحديد، من أين جاء إحساسي بالشبع والامتلاء، في بيئة كانت تشكو نقصاً في الدخول والموارد والرواتب، والسيولة المالية بصفة عامة، لكنني متأكد أن مناخاً ثقافياً مميزاً، قد أتاح لنا بلوغ ذروة الرضا، عقب نزهة صيفية بسيطة، تبدأ بالذهاب الى السينما، وتنتهي بشراء عقد من الفل بخمسة مليمات من بائعات يستهدفن زبائنهن فوق كوبري قصر النيل، أو لدى العودة من سهرة بالمسرح القومي، أو مسرح الطليعة المجاور له بميدان العتبة.

اعتدت أن أشبك أعواد الفل في شيش شرفة غرفتي، ليحمل النسيم عبق الفل الى خياشيمي، بينما أضطجع في فراشي منصتاً الى صوت أم كلثوم، عبر إذاعة “صوت العرب” قرب ختام البث الاذاعي، أو مع صوت عبد الوهاب وهو يعترف، تماماً كما أعترف لكم الآن بأنني “أنا من ضيّع في الأوهام عمره”.

أوهامي الوثيرة، الجميلة، المريحة، زودتني بطاقة هائلة من الطموح، وحملتني الى دار الكتب المصرية، وفروعها التي كانت تنتشر في بعض أحياء القاهرة، أما القراءة فقد منحتني شعوراً لذيذاً بالتفوق، كنت أختبره من وقت لآخر، كمن يحك خاتمه لتنطلق منه عفاريت المعرفة، فكنا نتسابق ونتراهن أحياناً حول بعض المعلومات أو المعارف، وكنت نادراً ما أخسر الرهان، الأمر الذي عزز أوهامي، ومنحني طاقة طموح لا يقف عند حد.

كان جيلي وربما جيل الآباء أيضاً، قد استراح الى وجود جمال عبد الناصر، باعتباره ضامناً بذاته لمسيرة نهضة، تحمل مصر ونحن معها الى آفاق النجوم، لم نكن مشغولين بالسياسة بمعناها الحقيقي، ولماذا ننشغل اذا كان ثمة من هو على استعداد للانشغال بها لحسابنا؟

كنا نحب الرجل.. ونثق في وطنيته وإخلاصه وجديته، وكان ذلك كافياً بنظرنا حتى نترك الشأن العام كله له، لكنني كطفل مشاغب، كانت تستوقفني أحياناً، بعض العبارات التي أطلقها جمال عبد الناصر، ورددها الناس خلفه من دون تفكير، وكأنهم منوّمون مغناطيسياً.

في الطريق الى مدرستي (مكارم الأخلاق الاعدادية) اعتدت أن أستقل حافلة تقلني عبر شارع شبرا، الى منطقة مسرة، بالقرب من المدرسة. في منتصف الطريق بعض لوحات الاعلانات وافيشات السينما، كانت تواري أنقاض بيت قديم، تتوسطها لوحة، تابعة للهيئة العامة للاستعلامات، فوق اللوحة عبارة تحمل توقيع جمال عبد الناصر، كانت العبارة التي صارت شعاراً سياسياً مصرياً في عام ١٩٦٣، تقول “الحرية، كل الحرية، للشعب، ولا حرية لأعداء الشعب”.. حفظت هذا الشعار، بإلحاح الصورة، وبتكرار عبوري اليومي أمامها مرتين في الذهاب والعودة.

لكنني كنت أجد متسعاً من الوقت، خصوصاً حين يسعدني الحظ بالحصول على مقعد بجوار الشباك، لكي أتأمل تلك العبارة، التي يقولها “الزعيم” ويرددها الناس خلفه من دون أدنى مناقشة.

كنت أتساءل طول الوقت: طبيعي أن نحرم أعداء الشعب من العمل ضد مصلحة الشعب، ولكن من هم أعداء الشعب الذين يقصدهم الزعيم؟!.. ومن هو الشعب الذي قرر الزعيم أن يهبه الحرية، وأن يحرم أعداءه منها؟!

لم أصل مع نفسي الى جواب، لكن خشية فطرية راحت تكبر داخلي، من منح أي زعيم مهما بلغ إخلاصه، تفويضاً مطلقاً، أو شيكاً على بياض، ليقرر هو لنا من هم أعداؤنا، ومن هم أصدقاؤنا، وليحدد هو حصة كل مواطن من الحرية طبقاً لتقويمه الذاتي لمدى انتمائه الى الشعب، أو الى أعداء الشعب.

الاستسلام لهذا التصنيف السلطوي، لمن يستحقون الحرية، ولمن لا يستحقونها، لم يكن سوى نتاجٍ لأوهام سكنتنا، وتمكنت منا، ضاع فيها عمر جيل أو أكثر من المصريين، وتحملت مصر بسببه وما تزال، أعباءً تنوء بحملها الجبال.

شارك المقال