لماذا أحب المصريون عبد الناصر؟

عبدالمنعم مصطفى

أجتاز طريقاً مختصراً، من شارع شيبان بشبرا، الى مدرسة روض الفرج الثانوية أمام مستشفى الرمد بالمبيضة، أتسرب صحبة أحد رفقاء الطريق، نعبر شريط الترام بشارع شبرا من أمام مسجد الخازندار، ثم نجتاز احدى الحارات المتفرعة من شارع ابراهيم ناجي، نمر في طريقنا الى شارع جسر البحر بمجزر لذبح الخنازير يتبع شركة مرقص بشارع شبرا لتجارة منتجات الخنزير. يدفعني الفضول الى اختلاس النظر من فرجة صغيرة لباب خشبي طلي باللون الأخضر الزاهي، فأرى الخنازير الذبيحة معلقة بمشاجب معدنية، بينما يقوم عمال الجزارة بإعدادها للتصنيع.

كل الثقافات كانت تتعايش هنا بسلام جنباً الى جنب في حي شبرا الفريد، لا أحد يسال أحداً عن دينه، ولا أحد يتأذى، أو يبدي التأفف من اختلاف الثقافات، ولا تباين بعض السلوكيات لطوائف وفئات من أهل شبرا.

خلطة فريدة جداً تجمع جيراناً متبايني الخلفيات، بعض الجيران كان من الأرمن، وبعضهم شوام، والبعض الثالث اغريق (ذوو أصول يونانية) والبعض طليان، عدا الأقباط، والمسلمين الذين وفد أغلبهم الى حي شبرا، من محافظات الدلتا (القليوبية والمنوفية والغربية بصفة خاصة).

قبالة مسجد الخازندار، وعلى بعد حوالي مائتي متر من كنيسة سانت تريزا، هناك موقف كبير لحافلات النقل السريع بين محافظات الدلتا، كنا نطلق عليه مطار المنوفية، لأن غالبية الوافدين منه منذ الصباح الباكر، نساء جاءت كل منهن بصحبة طشت كبير تضع فيه بضاعتها من الزبد والجبن القريش والبيض البلدي والطيور الداجنة (دجاج وبط وأوز وأرانب)، ثم تتخذ كل منهن مكاناً لها قرب الأسواق ومناطق التجمعات، لتضع فيه بضاعتها، التي ينبغي أن تعود الى قريتها من دونها بعد أن تكون قد باعتها بما يتيح لها سد احتياجات أسرتها.

من شرفة غرفتي في البيت، كنت أستطيع أن أعرف، ما الذي تعود به أولئك النسوة الى بلداتهن، بعد بيع ما معهن من بضاعة، كان الطشت فوق رأس أي منهن لا يخلو من طفل لها حملته على ذراعها في رحلة الشقاء اليومي، ثم عادت به بعدما أفرغت الطشت من البضاعة، وكان في الطشت أيضاً قرطاس كبير به بضعة أقراص من الطعمية الساخنة، كن يعتبرنها بين أثمن ما يعدن به الى أطفالهن في القرى، أما درة تاج مشترياتهن فكانت شريحة من الحلاوة الطحينية يقمن بلفها بعناية ويخفينها في طيات قماش كن يغطين به الجبن القريش والزبد الذي حملنه لدى وصولهن الى مطار المنوفية في شبرا.

هذه الرحلة اليومية أو الأسبوعية، التي كانت تبدأ من القرية عقب صلاة الفجر وتنتهي بالعودة اليها قرب صلاة المغرب، ساهمت عوائدها المالية في تربية وتأهيل ملايين الخريجين والخريجات من الجامعات والمعاهد والمدارس، انضموا لاحقاً الى قوى مصر المبدعة وإلى سواعدها المنتجة، وضخوا وما زالوا يضخون في الاقتصاد الوطني، مئات المليارات من الدولارات ضمن تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وساهموا في ارساء قواعد النهضة في معظم البلدان العربية، بمعلمين ومعلمات، ومهندسين ومهندسات، وأطباء وطبيبات، ومهنيين وعمال، في مختلف مجالات الإبداع والصناعة والزراعة والتشييد والخدمات.

كان التعليم عند المصريين في الخمسينيات والستينيات، هو الباب الوحيد تقريباً للترقي الاجتماعي، والسبيل الرئيسي للحراك بين الطبقات، اما في الريف فقد كان التعليم بالنسبة الى أبنائه ، مثل لمسة الملك ميداس في الأسطورة اليونانية الشهيرة، والتي كانت تحول كل ما تلمسه يداه الى ذهب. حتى أن بعض الأسر المصرية في الريف كان يتار أقدر الأبناء على التفوق الدراسي، ليستثمر في تعليمه بينما ينكب أبواه وأشقاؤه على العمل الشاق لتدبير ما قد يحتاج اليه تعليمه من مال، باعتبار أنه سيرد لهم صنيعهم لاحقاً حين يترقى وظيفياً واجتماعياً، فيرتقون به أو يترقون معه.

حال هذا الابن الذي كرّست الأسرة كل ما لديها من أجل أن يتعلم ويترقى ليرتقي بأبويه وإخوته، تذكرني بحال الأمة المصرية مع جمال عبد الناصر ورفاقه. فقد فعل المصريون مع عبد الناصر، ورفاقه من الضباط الأحرار، تماماً كما كانت تفعل الفلاحة المصرية والفلاح المصري، مع الابن الذي نذروه للتعليم، وكرّسوا كل ما لديهم من طاقة ومن أبناء آخرين تركوا التعليم مبكراً وانخرطوا في العمل لتدبير نفقات الدراسة للأخ الذي نذرته أسرته للتعليم. كانت الأمة المصرية تتطلع بعد ٢٣ يوليو (تموز) ١٩٥٢ الى أول حاكم من أبنائها بعد أن قطعت الخلف على مدى أكثر من ٢٣٠٠ سنة، وكان طبيعياً أن تبدو مصر شديدة الحفاوة برئيسها المصري (البكري) أول من تأهلوا لحكمها من أبنائها، بعد انقطاع تاريخي ربما لم تعرف أمة أخرى مثله، وكان طبيعياً بعد ذلك أن تتعامل الأم (مصر) مع الإبن (ناصر) باعتباره (نضري) و(ضنايا)، وكان طبيعياً أيضاً، بعد عقم امتد قرابة ثلاثة وعشرين قرناً، أن تتمدد حفلات السبوع المصري في المسافة الزمنية بين عام ١٩٥٢ و١٩٧٠، وأن تنطلق الحناجر بالغناء لابن مصر البكري جمال عبد الناصر، فيقول له عبد الحليم حافظ في أغنية “احنا الشعب”:

احنا الشعب. واخترناك من قلب الشعب

يا فاتح باب الحرية. يا ريس يا كبير القلب

احنا حياتك وابتساماتك وانت حياتنا

احنا بنفرح وانت بتفرح من فرحتنا

بكرة وطنا ح يصبح جنة وانت معانا…..

بينما تقول أم كلثوم في الفترة نفسها:

أجمل أعيادنا المصرية برئاستك للجمهورية.

حالة من فرح الام بإبنها البكري وقد نبت شاربه واخشوشن صوته، هكذا كان حال المصريين مع عبد الناصر، امتداد لحال أسرة ريفية بسيطة نال أحد أبنائها قدراً من التعليم والتحق بوظيفة حكومية مرموقة.

أولئك الفلاحات اللائي كن يحملن أحد اطفالهن في طشت يضعن له فيه أقراص الطعمية الساخنة وشرائح الحلاوة الطحينية، كن في الحقيقة يحملن مصر ومستقبلها فوق رووسهن، من دون أدنى تفريط أو انحناء.. هذا المشهد جسّد عندي دوماً وأنا أتأمله من شرفة غرفتي، حالة مصر عبر تاريخها كله.

شارك المقال