مع “حزب إيران” لا حلَّ للجنوب ولا لقضية النازحين

عبدالوهاب بدرخان

بين أزمتي الحرب في الجنوب والنزوح السوري قاسم مشترك اسمه “حزب إيران/ حزب الله”، ليس فاعلاً فحسب، بل مسبب ومستغل ومستفيد. ولا شك أن نظام بشار الأسد، الذي يتردّد اليوم أن ثمة جفاءً وانزعاجاً بينه وبين الإيرانيين، يكنّ الكثير من الامتنان لـ”الحزب” لأن “مشاغلته” للإسرائيليين في جبهتي جنوب لبنان والجولان أعفت دمشق النظام من المشاركة في الحرب (فهو غير معني بالجولان)، ولأنه أراحه أيضاً من عبء أكثر من مليوني سوري يستفيد معظمهم من المساعدات الدولية فيما ينافس قسم كبير ومتزايد منهم اللبنانيين على فرص العمل ولقمة العيش وما تبقّى من خدمات، حتى أن بعضاً منهم بات يشكّل خطراً أمنياً داخلياً.

وفي البحث عن مخارج من الأزمتين يتظاهر مسؤولون حكوميون وسياسيون بأنهم يقومون بما يلزم لإيجاد حلول لهما، أو يحاولون ما أمكنهم تخفيف الأضرار الناجمة عنهما. وعندما يخفقون في ذلك يلومون الأطراف الخارجية على عدم تعاونها أو لأنها تأتيهم بمقترحات تناسب مصالحها لا “مصلحة البلد”، ولا يرون إيران وذيول نظام الأسد كأطراف خارجية ضالعة أكثر من سواها في التخريب. فالمهم عندهم تغطية سيطرة إيران و”حزبها” على البلد، وأسباب ذلك صارت معروفة وتتكرّر الثرثرة في شأنها، وكأن كثرة الكلام تُغني عن كشف الوقائع كما هي، أو كأن طمس الحقائق يفلح في مواجهة الأزمات وحلّها.

وإذ يعرف هؤلاء المسؤولون أن لا مناص من تعاون الأطراف الدولية (الولايات المتحدة، فرنسا، الأمم المتحدة وغيرها)، فإنهم يُقبلون على مهمّاتهم معتبرين أنهم يستطيعون دائماً ايهام الخارج بأن لديهم الصلاحيات والقرار، وبأن الاعتقاد بوجود تدخلات وإملاءات لـ “حزب إيران” ليس سوى أفكار خارجية مسبقة، ومغرضة، لا أساس لها على أرض الواقع، بل تنمّ عن عداء لـ “المقاومة” وحساسيات تجاهها. بات هؤلاء المسؤولون- اللبنانيون- يمثّلون أدوارهم بحِرَفية بالغة، ولا يحتاجون الى من يساعدهم/ أو يذكرهم ولو بكلمة أو عبارة خلال أدائهم نصّ المسرحية. وقد بلغ تماهيهم مع أدوارهم حدّ التسليم والترويج لـ “الحزب” بأنه الجهة الوحيدة الآمرة الناهية التي تنوب عن الدولة بل ابتلعتها، ثم انهم هم أنفسهم يدينون لـ “الحزب” بصفاتهم ومناصبهم.

لا تجهل الجهات الخارجية والأممية هذا الواقع، بل تحاول التعامل معه من أجل اللبنانيين و”لمساعدة لبنان”، لكنها تعمل وفقاً لقوانين دُولها أو للقوانين الدولية، إلا أن “دولة حزب إيران” لا تعترف بهذه القوانين وتُلزم “ممثليها” بالسعي الى تطويعها أو تغييرها بما يناسب سياسات “الحزب” ومصالحه. هذا ما حصل ويحصل في مقاربة ملف النازحين السوريين، وكذلك في التعاطي مع مساعي “الحل الديبلوماسي” للمواجهة مع إسرائيل في الجنوب تفادياً لانزلاقها الى حرب موسّعة. كيف؟ من جهة أقنعوا أنفسهم/ بل أقنعهم “الحزب” بأن الوسيلة الوحيدة الممكنة للتخلّص من النازحين تكمن في الضغط على الجهات الخارجية، الأمم المتحدة والمفوضية العليا للاجئين، لكن خصوصاً في تهديد الدول المانحة بإفلات قوارب اللاجئين نحوها… ومن جهة أخرى فرض “الحزب” عليهم حربه من أجل غزّة وعندما طرحت الولايات المتحدة وفرنسا التوسط أوصى الدُمى التي تمثّله بإظهار المرونة والإيجابية إزاء ما تطرحه، وأدار التفاوض عبر تحريك خيوط هذه الدُمى التي صارت ناطقة بمصطلحاته وشروطه ومروّجة لخدعه، وكأن “الدولة”- ممثلة برئيسي مجلس النواب ومجلس الوزراء- شريكة في “وحدة الساحات” وتشترط باسم “الحزب” انهاء الحرب على غزّة كي يوقف هجماته من الجنوب.

منذ بدايتها قوربت قضية النازحين بالاهمال والخطأً ثم تراكمت الأخطاء مع الحكومات المتعاقبة التي صار “حزب إيران” وحلفاؤه، منذ انقلاب “القمصان السود”، إما مهيمنين عليها أو جزءاً رئيسياً منها. ويتحمّل نظام إيران و”حزبه” ونظام الأسد مسؤولية تهجيرهم وطردهم من مواطنهم، وبات “الحزب” قوّة احتلال حقيقي للمناطق الممتدة من القصير والقلمون الى حمص، إذ حوّل معظمها الى مخازن أسلحة ومصانع كبتاغون ومراتع لعصابات التهريب. هذه العيّنة من المناطق لا يمكن أن توصف بأنها آمنة أو مرشحة لعودة أهلها اليها، وبالتالي فإن مجرد التفكير بإعادتهم يعني المسّ بـ “المقاومة” ومداها الحيوي. وقد أضيفت اليهم على مرّ الأعوام فئتان تشكّلان حالياً الجزء الأكبر من النازحين الذين يتنقلون باستمرار بين جانبي الحدود ولا يشكون من ضغوط أمنية أو سياسية عليهم، ويتوزّع هؤلاء بين “نازحين اقتصاديين” جرى تسجيل معظمهم ويستفيدون من المساعدة الدولية ومن العمالة المتاحة، وبين “غير الشرعيين” الذين لا ينالون المساعدة بل يعوّلون على ما يتيسر لهم من أعمال بما فيها خدمة عصابات التهريب والإجرام.

أصبح ملف النازحين أكبر من قدرة الأجهزة على احتوائه، كما أنها تأخرت في العمل على تنظيمه. كانت الهيئات المعنية أصرّت على اعتبارهم “نازحين” وليس “لاجئين” لئلا يكسبوا بمرور الزمن حق الإقامة والتجنس، لكن المنظمات الدولية تعاملهم على أنهم “لاجئون” خارج بلدهم لتتمكن من مساعدتهم، وبذلك صاروا يتمتعون بحمايتها ورعايتها (تعليم وطبابة…). يطالب الجانب اللبناني بتوفير هذه المساعدة لهم داخل سوريا، لكن انتقالهم اليها يُسقط عنهم صفة “اللاجئين” ليعودوا الى رعاية دولتهم، التي تتعذّر مساعدتها لتساعدهم سواء لأنها واقعة تحت عقوبات دولية بسبب قتل مواطنيها وتهجيرهم، أو لأنها مع افتراض أهليتها لتلقّي الدعم تستولي عليه وتتربّح منه كما تفعل بالمساعدات العينية الموجهة الى المحتاجين في الداخل… يبقى هذا جزءاً من تعقيدات الملف، وإذ تشكو الهيئات المعنية من عدم تعاون المنظمات الدولية معها فلأن هذه المنظمات لا تستطيع اخضاع قوانينها للعشوائية اللبنانية، ثم انها لم ترَ يوماً خطة استراتيجية مقوننة يمكن التعاون معها، كما في تركيا والأردن، بل لمست في بعض الأحيان نوعاً من البلطجة في التعامل معها.

وفيما يدور جدل عقيم حول المليار يورو المقترح من الاتحاد الأوروبي، كمساعدة في تحمّل أعباء النزوح، فإنه لا يقلّ عقماً عن الجدل الآخر المتعلّق بتنفيذ القرار 1701. ففي الحالَين هناك انكشاف لغياب الدولة ولمحاولات الميليشيا التملّص من القوانين أو تذويبها في الأمر الواقع الذي فرضته بسلاحها غير الشرعي. كان “الحزب” حصر حل قضية النازحين بالتعامل على نظام الأسد، ولما حصل ذلك أبدى تفهماً متضامناً مع رفض هذا النظام التعاون واعتباره أن عودة النازحين تسيء الى “المجتمع المتجانس” الذي نشأ بفعل الحرب الأهلية التي ساهمت فيها إيران و”حزبها”… وكان “الحزب” أوحى باستعداد للتعامل مع الأفكار الأميركية والفرنسية في شأن تهدئة جبهة الجنوب، وعندما وجد أنها مبنية على تنفيذ القرار 1701 لم يعد معنياً بها، لأنه بدأ يحارب ذلك القرار غداة صدوره واستطاع مع الوقت وقف تنفيذ بنوده المتعلّقة ببسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. أما المواجهة الحالية فيريدها وسيلة إلغاء نهائي لهذا القرار، حتى لو قادت الى حرب مدمّرة.

شارك المقال