فتح “بيت الوسط” ضرورة وطنية بعد إقفال “دارة قريطم”

زياد سامي عيتاني

أما وقد قضي الأمر، وأقفلت دارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في “قريطم” (المقفلة)، بصورة نهائية، بكل ما ترمز إليه، وما تختزنه من “تاريخ” متكامل، أثّر وشارك وساهم بفاعلية في رسم معالم حقبة سياسية نوعية من تاريخ لبنان الحديث، ونقله من من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلم، فلا بد من أن تقابلها خطوة معاكسة، لإيجاد معلم “مكاني” بديل، يشكل رمزية معنوية ووطنية ومرجعية لهذا الإرث الوطني العظيم لرجل إستثنائي، أعاد الى لبنان مكانته على الخريطة العالمية.

والبديل الطبيعي، لإقفال دارة “قريطم”، فتح أبواب “بيت الوسط” على مصراعيها، أمام الناس، كل الناس، الذين عاشوا عصر رفيق الحريري، وبايعوا سعده، ليكملوا معه وتحت رايته، مسيرة الرفيق.

هذه المطالبة، ليست حالة إنفعالية وجدانية أو عاطفية، بل هي مطالبة موضوعية واقعية، تتطلبها وتقتضيها المرحلة الحرجة والمفصلية التي يعيشها لبنان والمنطقة بأسرها.

في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر والقلق في جنوب لبنان، وسط تهديدات حكومة الحرب الاسرائيلية عن نية بنيامين نتنياهو بتوسيع حربه على لبنان، تبرز الحاجة بصورة ملحة الى عودة سعد الحريري “النهج الوطني المرجعي الجامع” سواء شخصياً (عندما تنتهي فترة العلاج)، أو من خلال إعادة النظر في تجميد عمل تيار “المستقبل”.

لا شك في أن الشريحة المجتمعية الواسعة وطنياً وسنياً التي يمثلها سعد الحريري، تعيش حالة من “السوداوية” والإحباط وحتى الضياع، نظراً الى الفراغ الكبير والعميق الذي خلّفه بتعليق العمل السياسي، خصوصاً وأن كل المحاولات لملء هذا الفراغ قد باءت بالفشل، الأمر الذي تسبب ولا يزال في خلل كبير في المعادلة الوطنية اللبنانية، جراء غياب التأثير السني ببعده الوطني التوافقي عن الساحة السياسية، الذي يشكل تاريخياً قناة تواصل وتلاقٍ بين مختلف الأطراف السياسية.

وهذا ما يفسر دعوات المرجعيات والقيادات السياسة المستمرة (خصوماً وحلفاءً) وفي غير مناسبة، الى الرئيس سعد الحريري (قبل خضوعه للعملية الجراحية) للرجوع عن قرار تعليق عمله السياسي، والعودة الى لعب دوره الوطني، لتعويلها على الزخم السياسي الذي يمتلكه، خصوصاً وأنه لا يزال يحظى باحترام العواصم الغربية والعربية وتأييدها، فضلاً عن القيادات اللبنانية.

أما على الصعيد الشعبي، فإن من المسلم به، أن نبض الشارع السني لا يزال يعتبر أن سعد الحريري مرجعيته الكبرى، وبالتالي فإن كل القيادات السنية الموجودة على الساحة السياسية، فضلاً عن “الطارئين” الجدد، قدرتهم التمثيلية والاستقطابية محدودة وضيقة، إضافة إلى التنافس في ما بينهم، على تأكيد كل واحد منهم حضوره.

وتأكيداً لهذه الحقيقة غير القابلة للإجتهاد، نعيد التذكير بالحشود الكبيرة في ذكرى 14 شباط الماضي، أمام ضريح الرئيس الشهيد، يومها وجد الرئيس سعد الحريري أن جمهوره إنتظر عودته، وهو يعرف أنها محدودة زمنياً، ليجدد له الولاء والمبايعة، على الرغم من إدراكه أن مفاعيل الإبتعاد عن المسرح السياسي لا تزال قائمة، ما يؤكد بما لا يقبل الشك أن الحريري الأب والإبن لا يزالان حاضرين في وجدان وعقول جمهورهما، إضافة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين العقلاء ومن مختلف الطوائف.

وبعيداً عن الاستثمار بحرمة “المتوفى”، أو إستغلال المناسبة، فان الحشود والوفود التي عزت بالمرحوم الحاج مصطفى الحريري، من كل المناطق اللبنانية، سواء في “مجدليون” أو “بيت الوسط”، شكلت بصورة عفوية، عن غير قصد، أو تحضير، حالة إستفتاء حقيقية لشعبية الرئيس سعد الحريري، بحكم ما تمثله له عمته بهية (أرملة الراحل) كأم ثانية وكموجهة وكحاضنة، ما دفع جمهور الحريري من خلال قيامه بواجب العزاء للنائب السابق بهية الحريري ونجليها نادر وأحمد، الذين هم موضع احترام وتقدير بالغين عند هذا الجمهور، الى أن يجدد في الوقت نفسه مبايعته وتأييده للرئيس سعد الحريري، وكأن هذا الجمهور أراد أن يوجه اليه رسالة يدعوه من خلالها للمبادرة إلى العودة للمسرح السياسي، لأن غيابه عنه، أشعره بـ”اليتم السياسي”.

لكل ذلك، فإن فتح “بيت الوسط” مطلب شعبي، وضرورة وطنية، ورهان للمرجعيات السياسية.

شارك المقال