رفح… “طنجرة ضغط” مليئة بالمأساة

زياد سامي عيتاني

تظهر الصور مدينة رفح مليئة بالخيام والمنازل المؤقتة في مجموعات مكتظة بالسكان، الذين يواجهون نقصاً في الغذاء والدواء والمياه النظيفة والخدمات الصحية ومرافق الصرف الصحي، ما أدى إلى تفشي الأمراض، التي بدورها تسببت في حالات كبيرة من الوفيات!

معبر رفح يقع على “الشريط الحدودي” الواقع داخل قطاع غزة، ويفصلها عن مصر، والمعروف باسم “محور فيلادلفيا” أو “صلاح الدين”. هذا المحور مُحتسب منطقة عازلة أو آمنة، طبقاً لـ “اتفاقية السلام المصرية- الاسرائيلية”، عام 1979. لذا فالمعبر يشغل مكانة إستراتيجية مهمة لمصر، وقطاع غزة معاً، فهو البوابة المصرية إلى فلسطين، والمنفذ البري الوحيد لقطاع غزة إلى العالم الخارجي عبر مصر.

إذاً، مدينة رفح تقع أقصى جنوب قطاع غزة، ويبلغ عدد سكانها حوالي 280 ألف نسمة، وتقع بالقرب من حدود غزة مع مصر التي يبلغ طولها 12 كيلومتراً، وهي نقطة العبور الرئيسية بين الجهتين، وتحاصر إسرائيل الآن فيها أكثر من نصف سكان غزة البالغ عددهم حوالي 2.2 مليون نسمة، حسب الأمم المتحدة. كذلك، يشكل معبر رفح شريان الحياة الرئيسي بين العالم الخارجي وسكان غزة، فهو المنفذ الوحيد في القطاع الذي لا تديره إسرائيل، إذ أتاح، منذ بداية الحرب قبل سبعة أشهر، دخول الامدادات الانسانية ونقل المرضى إلى الخارج في ظل انهيار مرافق الرعاية الصحية. وقد أنشئ معبر رفح بشكل أساسي للمشاة، ولكنه يستخدم الآن لنقل المساعدات الحيوية إلى غزة، التي تعوقها الأعمال العدائية الاسرائيلية.

أعلن مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أن مجلس الحرب الاسرائيلي قرر بالإجماع استمرار العملية العسكرية في مدينة رفح، في حين قال جيش الاحتلال إنه يشن الآن ما وصفه بهجوم مباغت ضد أهداف تابعة لحركة “حماس” شرقي رفح. وقال نتنياهو إن “قرار مجلس الحرب بالمضي قدماً في الاجتياح البري لرفح يأتي للضغط على حماس لتحرير الأسرى وتحقيق أهداف الحرب” (وفق تعبيره). وقد أعلنت وزارة الدفاع الاسرائيلية الاثنين، بدء عملية عسكرية في رفح زعمت أنها محدودة النطاق، ووجهت تحذيرات إلى 100 ألف فلسطيني بإخلاء شرق المدينة قسراً، والتوجه الى منطقة المواصي جنوب غرب القطاع.

يأتي ذلك، فيما تصاعدت التحذيرات، خلال الساعات الأخيرة، على مستوى الدول والمنظمات الدولية من مخاطر الاجتياح الاسرائيلي لرفح. وقال مسؤولون وخبراء إن اجتياح رفح سيؤدي إلى كارثة جديدة، وفصل آخر من القتل والمجاعة في غزة، محذرين من عدم وجود مكان آمن يلجأ إليه السكان والنازحون. وأفادت مصادر في مجال العمل الانساني بأن تدفق المساعدات من المعبر توقف بصورة نهائية، وأن الاحتلال الاسرائيلي يحكم على سكان القطاع بالموت بعد إغلاقه معبر رفح.

في موازاة ذلك، أكد الجيش الاسرائيلي أن معبر كرم أبو سالم، وهو نقطة العبور الأخرى الوحيدة في الجنوب والذي تم من خلاله تسليم معظم المساعدات إلى غزة في الآونة الأخيرة، مغلق أيضاً بعدما أسفر هجوم صاروخي لحركة “حماس” عن مقتل أربعة جنود إسرائيليين. وأعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في منشور على منصة “إكس” أن معدلات الجوع الكارثية، خصوصاً في شمال قطاع غزة، ستزداد سوءاً إذا انقطعت خطوط الإمداد. وحذرت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي من “مجاعة شاملة” تتفشى في شمال القطاع. وعبّرت منظمة الصحة العالمية عن قلقها من أن إغلاق المعبر بين مصر وغزة سيكون له تأثير كبير على إمدادات الأدوية ودخول العاملين في المجال الطبي.

من المعررف أن إسرائيل تسيطر على جميع المنافذ البحرية والجوية إلى غزة وعلى معظم حدودها البرية. ومنذ السابع من “أكتوبر” شددت إسرائيل القيود التي تفرضها على القطاع حتى تحول إلى حصار شامل. ومع إغلاق المعابر الحدودية الاسرائيلية، أصبح معبر رفح الطريق الوحيد الذي يمكن لسكان غزة من خلاله مغادرة القطاع الساحلي الذي تبلغ مساحته 360 كيلومتراً مربعاً، كما بات محور الجهود المبذولة لتوصيل المساعدات الانسانية والسماح للمصابين وحاملي جوازات السفر الأجنبية بالخروج. لقد شبّه ديبلوماسي غربي الوضع في رفح بأنه “طنجرة ضغط مليئة بالمأساة”!

شارك المقال