العقد الاجتماعي بين المصريين وحكامهم

عبدالمنعم مصطفى

كنا نحتفي في طفولتنا بما نظن أنه السياسة، كما تلقيناها على يد معلمين ومعلمات كان أغلبهم لا يعرف عن السياسة سوى ما يقوله الزعيم، ولا يرى منها فوق خريطة العالم سوى ما يراه الزعيم، أو بالأحرى ما يريد لنا أن نراه، أو ما تسمح أجهزته لنا برؤيته.

في عام ١٩٥٨، عقب الوحدة مع سوريا، قررت معلمتي في الصف الثاني الابتدائي ضمي الى “القسم المخصوص” وهو فريق من الأولاد والبنات يرتدون ثياباً خاصة ذات ألوان مميزة، ويتلقون تدريبات على أداء استعراضات حركيّة جماعية تحاكي تلك التي نراها اليوم لدى افتتاح دورات رياضية أو أولمبية – مع الفارق الكبير طبعاً- كان يجري اعدادنا في “القسم المخصوص” لتقديم عرض يشهده مدير المنطقة التعليمية، لا أذكر إن كان احتفالاً بقيام الوحدة المصرية السورية، أو بغيرها، لكن ما أذكره أننا كنا ننشد أثناء الاستعراض نشيداً يحدد سياسة الجمهورية العربية المتحدة (مصر) تجاه العالم.

كانت كلمات النشيد الذي سهر على تلحينه الأستاذ عادل عزت مدرس الموسيقى، تقول:

“سياستنا عربية.. اللي رسمها جمال

بيخطط وبيرسم.. وينفذ في الحال

موش ح تكون شرقية…

ولا ح تكون غربية…

سياستنا حيادية..

سياستنا قومية…”

لم يكن لدي آنذاك لا الوعي ولا الشجاعة، لسؤال معلم اللغة العربية الذي كتب كلمات النشيد، عن دلالات كون الرئيس (عبد الناصر) هو من ينفرد برسم السياسة، وتحديد وجهتها، والتخطيط لها، ثم “بينفذ في الحااال” من دون استرشاد برأي، أو استئناس بشعب، لكنني بعد سنوات قليلة، كنت أطرح السؤال نفسه، ولا أَجِد إجابة صحيحة، أو شجاعة، عن سؤالي، اذ ما معنى أن يجري ترسيخ صورة عبد الناصر في ذهننا كأطفال، باعتباره هو كل شيء، “بيخطط وبيرسم وينفذ في الحال”؟ أغلب الظن أن المعلم الذي كتب هذه الكلمات لم يكن يرى فيها أدنى خطورة على أطفال في سن التمييز، ولا تصور أن كلماته ربما حملت نفاقاً صريحاً للحاكم، أو أنها حمّلته أكثر مما يطيق كبشر.

أغلب من فعلوا هذا أقبلوا عليه طوعاً وبحب، فلم تكن ثمة مزايا مادية أو عينية أو حتى معنوية، يتلقونها ثمناً لهذا، لكنهم كانوا في حالة تصديق لمشهد، لا يملكون ما يكفي من الوعي لنقده أو استنكاره.

ورث المصريون قانوناً حاكماً لعلاقتهم بالسلطة ولعلاقة السلطة بهم، فالحاكم هو الأب الأكبر للأمة، عليها أن تطيعه، ولا ترهقه بالنقاش، وعليه هو أن يوفر الطعام لكل فم، والكساء لكل بدن، والترفيه عن كل نفس.

هذا هو جوهر العقد الاجتماعي غير المكتوب بين المصريين وحكامهم على مر التاريخ، من عهد مينا الى عهد عمرو ومن عصر عمرو الى عصر جمال.

كثيرون ممن نشأوا خلال سنوات الثورة الأولى، تأثروا بهذا النمط من التفكير، دخلت غالبيتهم طوعاً في بيت الطاعة، تتلقى الأنباء عن أحداث لم تشارك فيها، وعن فواتير عليها أن تسددها بمزيد من شد الأحزمة، فوق مزيد من البطون، وتصفق للزعيم، اما بدافع غبطة حقيقية، أو باعتبار أن التصفيق هو تعبير عن الرضا بالمكتوب، أو طلباً لمنفعة أو غنيمة، أو خوفاً من عقاب.

كان التصفيق حاضراً طول الوقت، وكانت لدى الحكم فسحة كافية لتبني ما يرى من سياسات، من دون إلحاح من رأي عام، أو ضغوط من جماعات معارضة. كان الرضا هو عنوان تلك المرحلة في كل المجالات. وكانت وسائل الاعلام وكلها “مملوكة للشعب!”، لا تنقل ولا تنشر ولا تقول، سوى ما يعزز هذا الشعور الوهمي بالرضا.

كلنا راضون.. فكلنا نرتدي تقريباً الثياب المصرية الصنع نفسها، وكم كنت سعيداً مثلاً، بأنني أنا وعبد الحليم حافظ نرتدي البلوفر نفسه، وأن بدلة عبد الناصر لا تختلف أبداً عن بدلة أبي، وأننا كمصريين نرتدي جميعاً أحذية “باتا”، ونستخدم جميعاً الترام نفسه والأوتوبيس الذي يستخدمه كبار الموظفين في مجتمع لا متسع فيه لترف امتلاك سيارة، أو حتى استخدام تاكسي كانت أجرته تبدأ من ستة قروش فقط.

لم يكن لدي أدنى اعتراض على سياستنا (العربية) التي لا تنحاز الى الشرق أو الى الغرب، وتلتزم الحياد الذي أسماه جمال عبد الناصر بعد عودته من مؤتمر باندونغ في اندونيسيا عام ١٩٥٥ “حياداً إيجابياً”، لكن اعتراضي الوحيد كان على تكريس انفراد الزعيم بوضع استراتيجية وطن عند مفترق طرق حاسم. كنت أريد السياسة “القومية” و”الحيادية” نفسها وكنت أرفض التبعية للشرق أو للغرب كما تقول كلمات النشيد، لكنني كنت أتمنى أن يكون الشعب بحق هو من وضع هذه السياسة، ولم يكتف بتقبلها كصحن طعام وحيد وضع أمام شخص جائع.

شارك المقال