اسمي عبد المنعم مصطفى

عبدالمنعم مصطفى

من شرفتنا في الطابق الثاني، بدأت خبراتي المدرسية قبل ثلاث سنوات من التحاقي بالمدرسة الابتدائية، كنت لا أرى ما يحدث داخل الفصول من الشرفة، لكنني كنت أستطيع أن استمع بوضوح الى كل ما يجري، من الفصل الواقع أسفل شرفتي مباشرة، كنت أستطيع أن أسمع المعلمة، التي تلقن تلاميذها، ما تظن وزارة التربية والتعليم وقتها أنه حجر الأساس لبناء إنسان جديد، كانت المعلمة تقول والأطفال يرددون خلفها مثل جوقة محترفة، وبإيقاع منتظم:

أبناء النبي سبعة، عبد الله والقاسم وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوووووم

وكلهم من السيدة خديجة، إلا إبراهيم، من مارية القبطية.

حفظت فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص والمعوذتين، عبر شرفة منزلنا المطلة على فناء مدرسة الروضة العلمية، كانت المعلمة تقول وتردد خلفها جوقة التلاميذ ما تقوله، وكان التكرار وفق إيقاع موسيقي ثابت، يجبرني على الحفظ، ولذلك ما ان بلغت سن الذهاب الى الكتّاب، حتى أكد الشيخ عبد الحفيظ لأبي أنني “واد لهلوبة ولا خوف علي”.

أمضيت في كتاب الشيخ عبد الحفيظ يوماً واحداً فقط، فقد كنت حافظاً لمعظم ما يجري تحفيظه للتلاميذ بكتاب الشيخ عبد الحفيظ، وقد بذلت جهداً فائقاً لإقناع أبي بإعفائي من الذهاب الى الكتّاب.

كان الشيخ عبد الحفيظ، أنيق الملبس، يرتدي جبة زرقاء فوق قفطان حريري من اللون الفضي، بخطوط رمادية، ويعتمر عمامة أنيقة أضفى عليها وجهه التركي الأبيض المشرب بالحمرة، هيبة ووقاراً، لكن هذه الهيبة كانت تتوارى أثناء سعيه الى إضافة رأس جديد الى تلاميذ الكتّاب، اذ كان يحصل على ثلاثين قرشاً كل شهر عن كل رأس، وكان إعفائي من الكتّاب يعني حرمان الشيخ عبد الحفيظ من ثلاثين قرشاً، كانت تكفي آنذاك لشراء ثلاثة أرطال من اللحم، أو تسعة أرطال من الجمبري، الذي كان القاهريون يأنفون تناوله.

نجحت في اقناع أبي بإعفائي من الذهاب الى الكتّاب، واكتفيت بمتابعة دروس الشيخ شافعي، ومعلماته، عبر شرفتي المطلة على فناء مدرسة الروضة العلمية، التي كان يديرها آنذاك، رجل حسن الهندام يرتدي بدلة أنيقة وربطة عنق ملونة، اسمه الشيخ محمد.

ضمن عمليات تلقين بالتكرار، عبر الشرفة المطلة على فناء المدرسة، تجرأت في طفولتي على انتقاد الشيخ محمد مدير المدرسة، بعدما سمعت تلاميذ الصف السادس الابتدائي (وهم الأكبر سناً بالمدرسة على الاطلاق، بعضهم كان قد نبت شاربه) يهتفون ضده بإيقاع موسيقي، وبخني أبي بشدة، لمشاركتي الطلاب في الهتاف ضد الشيخ محمد مدير المدرسة، وتعلمت درساً اصطحبته معي في سائر مراحل حياتي.

كان الحد الأدنى للالتحاق بالمدرسة الابتدائية، هو ست سنوات وثلاثة أشهر، لكن عمري عند بداية العام الدراسي الأول، كان خمس سنوات وتسعة أشهر، فشلت كل محاولات أبي في الحصول على استثناء من شرط السن يتيح لي اللحاق بالعام الدراسي، مثلما استطاع أن يلحق شقيقتي الكبرى بخطاب خاص من الدكتور طه حسين، الذي كان وزيراً للمعارف وقتها.

رفضت فكرة الانتظار في البيت لعام كامل بينما يذهب شقيقي الأكبر الى المدرسة وكذلك شقيقتي، وبسبب الالحاح والزن، ألحقني أبي بمدارس النصر الخاصة، لأقضي فيها عاماً دراسياً لن تعترف به وزارة التربية والتعليم. ولا أنسى أبداً ما حدث ذات يوم في طابور الصباح، كانت المدرسة تسجل الحضور والغياب في الطابور، فتنادي احدى المعلمات على الأسماء التي يمضي أصحابها كل الى فصله، لكن ما حدث أنهم نادوا في هذا اليوم على أسماء من لم يسددوا المصروفات، ولم أكن أنا بينهم، لكنني خرجت من الطابور لألحق بطابور من لم يسددوا المصروفات، حيث اقتادتنا احدى المعلمات الى الباب الذي يفضي الى الشارع وقالت لنا: “كل واحد ييجي بكرة ومعاه ولي أمره”. غادرت المدرسة محتفياً بحريتي، وما إن وصلت الى البيت حتى وجدت أبي يتأهب للذهاب الى عمله، كان يرتدي ثيابه حين رآني عائداً وبيدي حقيبتي المدرسية، من دون استكمال اليوم الدراسي، رويت له أنهم طردوني لأنني لم أسدد المصاريف، فاستشاط غضباً، وجذبني من ذراعي ليعيدني الى المدرسة، وهناك فهمت أنني أنا من أخطأ، ووقفت بالخطأ ضمن طابور من لم يسددوا المصروفات المدرسية.

منحتني الدقائق القليلة في طابور المتخلفين عن دفع المصاريف، تجربة نفسية فريدة، ساعدتني لاحقاً على تفهم وتقدير قرارات نجيب الهلالي وطه حسين وجمال عبد الناصر بشأن مجانية التعليم، فقد كانت الرسوم المدرسية في المرحلة الابتدائية خمسة وعشرين قرشاً عن العام الدراسي كله، تغطي كل ما تتطلبه الدراسة من كتب وكراسات وأقلام، أصبحت في المرحلة الاعدادية خمسة وثلاثين قرشاً، بينما في المرحلة الثانوية كانت الرسوم الدراسية خمسة وأربعين قرشاً، نحصل في مقابلها على زي مدرسي عدا الكتب وبعض كراسات الهندسة وحساب المثلثات، أما في الجامعة فقد كانت المصروفات السنوية ثلاثة جنيهات فقط لا غير.

التحقت متأخراً بالصف الأول الابتدائي في مدرسة أبو الفرج الابتدائية، كنت أكبر من أغلب زملائي في الفصل بحوالي ستة أشهر، وفي يوم الجمعة السابق على بداية العام الدراسي الأول بالنسبة لي، اصطحبني أبي عقب الصلاة، الى دكان الأسطى ميخائيل الحلاق، وراح يؤكد عليه، وهو يربت على قفاي: “خد بالك درج له شعره، وبلاش تاخد خط بالموس، اشتغل بالمشط والمقص”. وظل أبي واقفاً يتابع أداء ميخائيل الحلاق ويتأكد من التزامه بالتعليمات.

حين عدت بصحبة أبي الى البيت، كانت تجرى الاستعدادات على قدم وساق من أجل “حمومة المدرسة”، “وابور الجاز” المزود بحمالة حديدية قوية يعلوها وعاء كبير “بستله” به ماء يغلي، وليفة جديدة خشنة، وصابونة نابلسي روضة أو شاهين، وحجر خفاف أسود، تلك كلها معدات النظافة التي سيجري سلخنا بمعرفتها.

تحملني أمي من الحمام ملفوفاً من رأسي وصدري ببشكير كبير ثم تضعني في فراشي وتحكم الغطاء حولي، خشية أن تنال مني نزلة برد، وتعود الى الحمام لمهمة مماثلة مع أخي.

أجواء البيت في الليلة الأولى قبل أول عام دراسي، تبدو بالنسبة لي تجربة إنسانية دافئة، يختلط فيها الحماس، بالخوف من ارتياد المجهول.

صباح أول يوم في الذهاب الى المدرسة لأول مرة، يبدو مختلفاً بدوره، خليط من المشاعر المتضاربة، سعيد جداً بالزي المدرسي الذي اهتم أبي بكيّه، والحذاء الذي أشرف على تلميعه، والحقيبة المدرسية التي تفوح منها الرائحة المميزة للجلد الطبيعي، لكن اضطراباً معوياً خاطفاً وغير مبرر يكاد يفضح قلقي من مجهول أقبل عليه وأخشاه.

كان أبي يربط لي رباط الحذاء المدرسي الذي أشرف على تلميعه في الليلة السابقة، ثم يحكم إمساك ذقني بكفه الدافئ الحنون القوي، من أجل أن يصفف شعري المجعد، بفرشاة قوية، كانت تترك آثارها على فروة رأسي. وعندما يتأكد أن كل الأمور في نصابها، يضع قبلة على خدي، ويدس في جيبي قطعة معدنية ثقيلة هي مصروفي الذي سيُصبِح يومياً منذ تلك اللحظة، بينما تطمئن أمي على حقيبتي المدرسية ومحتوياتها، قبل أن تدس فيها بعض الشطائر، وهي توصيني بتناولها في الفسحة.

عند باب فصل أولى ثاني، تركني أبي مولياً ظهره لي لأول مرة، شعور مرير بالفقد والوحشة، ليذهب التعليم الى الجحيم، كيف يمكنني استعادة أبي، كم أن اخوتي الأصغر محظوظون لأنهم لم يبلغوا بعد سن المدرسة.

سألتني أبلة سميرة، وهي تحاول ملاطفتي: “اسمك ايه؟!”، قلت لها: “إسمي عبد المنعم مصطفى”. أشارت الى لوحات خشبية صغيرة تصنع إطاراً يزين جدران الفصل، كانت كل لوحة منها تحمل اسم أحد التلاميذ، ثم قالت لي: “تقدر تطلع اسمك من بين هذه الأسماء؟”، أجبت بثقة وأنا أرى اسمي باللون الأحمر فوق لوحة بلون الفستق: “نعم هذا هو اسمي”. احتفت أبله سميرة بالتلميذ الجديد، ومنحتني جرعة ثقة مهمة في أول حصة بأول يوم، في حياتي الدراسية، وقالت لزملائي بالفصل: “كلنا نصفق لعبد المنعم”.

انتهزت فرصة ما حصلت عليه من تقدير وطلبت من أبلة سميرة طلباً غريباً لم أسامح نفسي لاحقاً عليه، كانت تجلس الى جواري زميلة شقراء رائعة الجمال اسمها صفية، التفت اليها وقلت لأبلة سميرة: “لا أريد أن تجلس بنت الى جواري!”.

شارك المقال