السفير السعودي في دمشق تكريس لعودتها الى الحضن العربي

زياد سامي عيتاني

عيّنت المملكة العربية السعودية د. فيصل بن سعود المجفل سفيراً لها لدى الجمهورية العربية السورية، بعد حوالي 12 سنة على إغلاق سفارة المملكة في دمشق، في خطوة جديدة ضمن إعادة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين عقب عقد من القطيعة.

اللافت أن قرار تعيين المجفل سفيراً لدى دمشق أتى بعد نحو 10 أيام من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس السوري بشار الأسد، على هامش القمة العربية الـ33 في العاصمة البحرينية المنامة.

يشار الى أن قرار الرياض تعيين سفير لدى دمشق، سبقته خطوات من الجانبين مهدت لإعادة تطبيع العلاقات وشملت تبادل مسؤولي البلدين الزيارات وصولاً إلى توجيه المملكة دعوة رسمية الى الرئيس الأسد للمشاركة في القمة العربية التي عقدت في العام 2023 بمدينة جدة، والتي شكلت إشارة بارزة على عزم السعودية استئناف علاقاتها الديبلوماسية مع سوريا.

وتمثل عودة العلاقات بين الرياض ودمشق أهم تطور حتى الآن في إطار إعادة العلاقات العربية مع سوريا التي قاطعتها إلى جانب دول عربية عديدة، بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام 2011، بحيث علقت جامعة الدول العربية في العام 2012 عضوية سوريا وقاطع معظم الدول العربية نظام الأسد، قبل أن تبادر دولة الامارات في العام 2018 الى استئناف العلاقات مع دمشق، وقادت منذ ذلك الوقت جهود إعادة دمشق إلى الحضن العربي لعدم ترك الساحة السورية فريسة للتغلغل الايراني والتركي.

وبالعودة إلى بداية الانفتاح السعودي على دمشق، فإنه بدأ للمرة الأولى بعد الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا، عندما بادرت المملكة إلى إرسال طائرات مساعدات إلى مناطق سيطرة الحكومة.

وما إن مضت أسابيع قليلة حتى زار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان دمشق، واعتبر الرئيس السوري خلال لقائه به أنّ “العلاقات السليمة بين سوريا والمملكة هي الحالة الطبيعية التي يجب أن تكون، وهذه العلاقات لا تشكّل مصلحة للبلدين فقط، وإنما تعكس مصلحة عربية وإقليمية أيضاً”.

كما تجدر الاشارة إلى أن الانفتاح السعودي على سوريا، إنطلق فعلياً بعد العلاقات الجديدة التي بدأتها المملكة مع إيران، بوساطة صينية، إذ كانت سوريا والعلاقة مع النظام إحدى الساحات الجيدة بالنسبة الى السعودية لتقديم المبادرات ضمن هذا المسار.

واعتبر مراقبون حينها أن هذه الخطوة السعودية تجاه كل من إيران وسوريا، جاءت نتيجة تراجع الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، كما أنها خطوة تزامنت مع أجواء مصالحات عدة، كالمصالحة الخليجية مع كل من قطر وتركيا.

كما يرى متابعون أن إستمرار الرياض في تثبيت إنفتاحها على دمشق، يندرج أيضاً في سياق تحقيق “رؤية 2030” بعيداً عن أي تشنّجات وتوتّرات في المنطقة. فلتحقيق أهداف المملكة التنموية، ترى القيادة السعودية أنه لا بد من الخروج من موقع المواجهة واعتماد سياسة “تصفير المشكلات”.

ويحدد المتابعون لملف العلاقات السعودية السورية ثلاثة أسباب إستراتيجية، إضافة إلى ما يتعلق بـ “رؤية 2030″، وراء حرص المملكة على تثبيت العلاقات مع دمشق والعمل على تطويرها:

-السبب الأول: حرص السعودية على وحدة الأراضي السورية، في ظل مخاوفها وقلقها من تقسيمها إلى مناطق نفوذ، جراء تنازع قوى كبرى لها “أطماع” تسعى الى بسط نفوذها وتكريسه في سوريا، مثل إيران وتركيا والولايات المتحدة.

-السبب الثاني: حرص المملكة على تشجيع النظام في سوريا على المضي في تسوية داخلية مع قوى المعارضة التي ليست لها “أجندات خارجية”، إذ ان الرياض ترغب في ردم الفجوة بين النظام السوري والمعارضة السورية.

-السبب الثالث: إصرار السعودية على ضرورة قيام النظام بتدابير جذرية وحاسمة بشأن موضوع تصنيع المخدرات (حبوب الكبتاغون) وتصديرها إلى الدول المجاورة، بعدما أصبحت سوريا في السنوات الأخيرة تشكل مصدر تهديد للمنطقة وللسعودية في ما يخصّ هذا الموضوع، بحيث ان التعاون السعودي مع سوريا في هذا المجال، سيحدّ من هذا التهديد الذي دام لسنوات.

لا شك في أن الرياض تسعى الى إرساء توازن سياسي في علاقاتها الاقليمية، وتوسيع الشراكات ومدّ اليد للتعاون التجاري والاقتصادي، وهي سياسة تعبّر عن “ديبلوماسية التغيير من خلال التعاون مع الآخرين”.

لكن حرص السعودية على إعادة علاقاتها مع سوريا، هدفه الأساس، إعادة سوريا إلى الحضن العربي من جديد، ما يحتاج إلى توطيد علاقات الدول العربية بها، ومساعدتها سياسياً وإقتصادياً، لتكون قادرة على التحرر من التبعات الخارجية.

وتلفت مصادر متابعة في هذا الاطار، إلى مواقف الرئيس السوري منذ السابع من تشرين الأول، التي أكدت بما لا يقبل الشك تمايزها الجوهري عن الموقف الايراني، ما يؤشر إلى قرار لدى الأسد بالابتعاد عن إيران، كلما إقترب منه العرب.

شارك المقال