لبنان… ليس افريقيا التي تصارع ماكرون

لينا دوغان

إذا كانت فرنسا تحاول جاهدة العودة الى إفريقيا وإعادة نفوذها السابق فيها، إلا أنها لا يمكن الا أن يكون لها موطئ قدم قديم جديد في لبنان، لا يستطيع التاريخ ولا الجغرافيا تغييره أو التقليل من أهميته.

وإذ تعد فرنسا أحد أبرز شركاء لبنان السياسيين، وهو ما تبيّنه العلاقات السياسية الثنائية الزخمة بين البلدين ومن خلال الدعم الدائم لاستقرار لبنان ووحدته واستقلاله وسيادته، من هنا لا يجب أن تفاجئ زيارة الموفد الفرنسي جان ايف لودريان أحداً، حتى ولو مرّ وقت طويل على قدومه أواخر العام الماضي.

صحيح أن مبادرة فرنسا الأخيرة في الموضوع الرئاسي فشلت وهي اليوم تعمل ضمن مظلة المجموعة الخماسية، الا أنها على الرغم من كل ذلك ومع كل الإخفاقات التي يواجهها الشارع اللبناني وتحديداً الكتل النيابية، يرى الصحافي في جريدة “النهار” رضوان عقيل أن فرنسا عنصر أساسي ضمن المجموعة الخماسية، لكنها لن تغادر لبنان، أي أنها لن تغادر مساحة اهتمامها السياسي في هذا البلد لجملة من الاعتبارات السياسية والثقافية التاريخية، حتى لو لم نستطع التوصل الى انتخاب رئيس ففرنسا باقية وما تريده هو أن تكون لها كلمتها على الطاولة اللبنانية في أي استحقاق رئاسي وفي أي مسألة رئاسية كبرى، ولا سيما أنها شاهدة على أكثر من محطة في تاريخ لبنان ليس من أيام الانتداب فحسب، إنما اليوم وفي السنوات الأخيرة كان لباريس الدور الكبير في أكثر من استحقاق.

وفي مسألة زيارة لودريان الى لبنان، فهي برأي عقيل زيارة طال انتظارها وأكثر الفرقاء ينتظرون وصول الرجل الى بيروت، خصوصاً بعد البيان الأخير لسفراء المجموعة الخماسية، لكن حتى الآن كل المعطيات توحي بأنه لن يحصل أي خرق على مستوى رئاسة الجمهورية، وكل الحديث الذي كان يدور حول التوصل الى انتخاب رئيس في نهاية شهر أيار أو حتى في حزيران المقبل لا أساس له وكأنه أشبه بالأمنيات لا أكثر ولا أقل، فبعد دعوة “الخماسية” عبر سفرائها في بيروت الفرقاء في لبنان وتحديداً الكتل النيابية، الى جلسة من المشاورات، يبدو أن هذا الامر محل انقسام داخل الكتل، وهو ما ظهر جلياً في موقف “القوات” التي ترفض وتعتبر الرئيس نبيه بري طرفاً، ولا تقبل أن يترأس رئيس المجلس أي جلسة غير رسمية تشاورية أو حوارية. ويعلق عقيل بالقول: “نحن للأسف على هذا الوضع، البلد وكلنا نغرق في الشغور الرئاسي، لكن السؤال الكبير ماذا سيحقق لودريان من هذه الزيارة وهل ستكون مثل الزيارات السابقة؟ كل المعطيات برأيه والتي تعترف بها القوى السياسية وهذا ما لا تقوله في العلن، إنها لا تتوقع أن يقوم الرجل بمعجزة ويؤدي هذا الأمر الى انتخاب رئيس للجمهورية”.

الرئيس بري الذي أعطى موعداً للموفد الفرنسي، يعتبر من اللاعبين الرئيسيين في هذا الخصوص في حال تم التوصل الى بلورة أي مخرج يساعد في انتخاب رئيس، لكن في المحصلة حتى الآن لا نستطيع القول إن لبنان يتجه الى رئيس في الوقت القريب.

مما لا شك فيه أن ما يجري في غزة وما يحدث في جنوب لبنان عقّد المشهد

أكثر، لكن الثنائي الشيعي يقول نحن مع فصل موضوع انتخابات رئاسة الجمهورية عما يجري حولنا، لكن شروط الثنائي أو رؤيته للعملية الرئاسية لا تزال على حالها كما هي حال بقية الكتل التي لا تلتقي مع الثنائي، وباقية على موقفها أيضاً.

ويبقى عقيل على موقفه بأن ساعة الحسم الرئاسية لم تحن بعد على الرغم من جهود “الخماسية”، فهناك ثلاث دول تلعب دوراً في هذا الموضوع هي الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وإيران، وفي حال تم التوصل فعلاً الى إيجاد مظلة يكون هذا الثالوث هو الأساس في عملية الدفع بانتخابات رئاسة الجمهورية، وأنا من القائلين إن هذه المهمة تبقى لبنانية بالدرجة الأولى، على الرغم من كل هذه المساعدة الخارجية.

ويتطرق عقيل إلى مسألتين في غاية الأهمية: النزوح السوري والوضع في الجنوب، فيرى أنه بالاضافة الى مشكلات لبنان الاقتصادية، هناك أزمة اللاجئين السوريين التي لا يبدو أن هناك حلاً قريباً لها ولا نرى على الرغم من الخطة التي وضعتها الحكومة أو التوصيات التي صدرت عن مجلس النواب أن هذا الامر سيؤدي الى عودة السوريين الى بلدهم، لأن هذا الموضوع يبدو أكبر من قدرات لبنان وأكبر من قدرات سوريا وهو طويل، ولا أبالغ إذا قلت إنه اذا استمر التعاطي مع الملف السوري على هذا المنوال، وبهذه الطريقة فنحن بالفعل نتجه الى توطين مقنع للاجئين السوريين على الأراضي اللبنانية.

وبالنسبة الى الجنوب برأيه كل التهديدات التي نسمعها ليست مشجعة وبنتيجتها لا يمكن فعلاً فصل لبنان عما يدور في المنطقة تحديداً في غزة، وخطورة ما يحدث في الجنوب قد تؤدي الى تطور الأمور أكثر نحو الأسوأ وستكون ارتداداتها ليس على الجنوب وحسب، بل على كل الأراضي اللبنانية.

ويختم عقيل: “سياسة التعنت والعناد الموجودة بين القوى السياسية وعدم تحملها المسؤولية الوطنية كما يجب تعني أننا نتجه الى المزيد من المشكلات خصوصاً ما تابعناه عن بعض الإشارات الأمنية غير المشجعة. الأجهزة الأمنية تقوم بواجباتها لكن هذا الموضوع لا يكفي من دون مظلة سياسية حقيقية تبدأ من رئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة، لأنه لو حضر ليس فقط لودريان أو فرنسا أو أي مسؤول في المجموعة الخماسية الى بيروت سيؤدي هذا الأمر الى انتخاب رئيس جمهورية،لا بل لو حضر كل العالم نحن لن نشاهد رئيساً للجمهورية في قصر بعبدا في وقت قريب، على الرغم من عدم تقصير الخماسية”.

ويبقى أن لبنان ليس إفريقيا التي تصارع ماكرون وغيره وتحاول الاعتماد على نفسها، فلبنان لا يصارع الا نفسه، وهو دائماً بحاجة الى فرنسا وغيرها للاتكال عليهم في حل أزماته رئاسية كانت أم غير رئاسية.

شارك المقال