لا أحب من يطيعونني لمجرد طاعتهم لي، ولا أكره من يخالفونني لمجرد اختلافهم معي، أنا أحب خلطة الحياة بكل ما فيها من اختلاف واتفاق، وأدرك أن التطابق لا وجود له في دنيانا، وأن طلب التماثل المطلق بين الأفكار والأشخاص والأشياء، هو مثل طلب إلغاء الحياة التي تصبح موتاً اذا غادرها التنوع.
حاولت أن أكره أعدائي، ولكني فشلت، فالكراهية ضد فكرة الحياة، لأنها تستدعي تمني زوال الآخر، أو شطبه من الوجود وكأنه لم يكن. فأنا أحب الحياة أكثر من قدرتي على أن أكره أعدائي.
وأعرف أن كل من حاولوا إلغاء الآخر فشلوا، وفضحتهم شواهد التاريخ، حتى هؤلاء الذين قاموا بالسطو على إنجازات من سبقوهم ونسبوها الى أنفسهم، طلباً للخلود في التاريخ، تذكرهم التاريخ ولكن باعتبارهم لصوصاً.
لا زلت أذكر مشاعري وأنا أدخل مقبرة رمسيس السادس بوادي الملوك في الأقصر، حين أخبرنا المرشد السياحي، أن المقبرة تعود لرمسيس الخامس، لكن خلفه رمسيس السادس قام بطمس توقيع سلفه، على خرطوش عند مدخل المقبرة، ووضع توقيعه هو بدلاً منه. لقد مات رمسيس السادس، لكن شواهد سرقته ظلت حية.
الذين يسعون الى طمس وجود الآخر، هم في الحقيقة كارهون للآخر، لا يعلمون أن التاريخ لا يحتفي بالكراهية، لكنه يحتفي أكثر بمن وقع عليهم جرم الكراهية.
نشأت حفياً بنفسي، قدر احتفاء أهلي بما ظنوه تفوقاً مني على أقراني، في المعرفة، أو في الذاكرة، أو في الذكاء، أو في التحصيل الدراسي.
كانت جدتي تقول عني: “ده واد يوعى على فحت البحر” في إشارة الى أن إدراكي أكبر بكثير من سني، لكن احتفائي بذاتي أخذ يتقلص، كلما كبرت، اما نتيجة إدراكي أنني قد أخسر أقراني من الأصدقاء والأقارب بسبب هذا الاحتفاء الذي رَآه البعض غروراً، ومعهم حق، واما نتيجة اكتشافي أنني لا أعرف سوى القليل جداً، وأن تفوقي هو في محيط بيئتي الصغيرة جداً، وأنني ان غادرت تلك البيئة الى سواها، فقد اكتشف تدني مستوى ذكائي وقدراتي المعرفية والعلمية.
قرأت مبكراً، مقولة لوزير الدفاع الاسرائيلي الأسبق موشى دايان، عقب هزيمة ثقيلة لحقت بالعرب في عام ١٩٦٧، قال فيها: “قوتي أن أعرف حدود قوتي”. قررت بعدها أن أحسب قدراتي بالناقص، أي أن أفترض أنها أقل بشكل ملحوظ من حقيقتها، واعتدت أن اقدر درجاتي في الامتحانات مثلاً بأقل مما أستحق، وأن أفترض قوة المنافسين بأكثر مما يستحقون، كانت آلية دفاعية فيما يبدو، كأحد انعكاسات هزيمة يونيو (حزيران)، على رؤيتي الشخصية لذاتي، ولمستقبلي. فأنا شاب ينتمي الى أمة مهزومة، تنعكس هزيمتها بالضرورة على مستقبلي التعليمي والوظيفي والحياتي، ولا يستقيم عودي الشخصي قبل أن يستقيم عود بلادي.
اعتدت منذ الصغر، أن أدرب نفسي، على مواجهة الأسوأ، وأن أربط في كل شأن، بين ما هو شخصي وما هو عام، كنت أرى أن خيوط مسيرتي الذاتية، تتقاطع عند نقاط معينة، مع خيوط مسيرة وطن، وأمة، وإقليم وعالم.
منحني مناخ الحفاوة العامة بالوحدة بين مصر وسوريا في ٢٢ فبراير (شباط) عام ١٩٥٨، مثلاً، شعوراً جارفاً بأن رئتي قد اتسعتا، أو أن رئة ثالثة وقلباً اضافياً قد نبتا في أحشائي، كنت أدرك أن مصر كبرت، وأن حدودها في الشمال باتت هناك مع تركيا، ومع الأردن، ولبنان، وحين وقعت نكسة الانفصال في ٢٨ سبتمبر (أيلول) ١٩٦١، ضاقت بي الأرض على رحابتها، وتلقيت أول إصابة دامية تركت أثراً لم يغب في ركبتي، حين سقطت على رصيف الشارع بينما كنت أطالع، وسط الدموع، مانشيتات الانفصال أثناء سيري، في طريق العودة الى المنزل حاملاً الجريدة، وكأنني أحمل شهادتي الدراسية الى أبي وقد لطختها كعكات حمراء، عنواناً للفشل.
ضاقت أنفاسي بنكسة الانفصال، فقد فقدت احدى رئاتي الثلاث، لكنني أصبحت أكثر واقعية، بعدما أدركت أنني إنسان طبيعي مثل كل الناس أملك رئتين فقط وقلباً واحداً.
ربما ساهمت واقعيتي المبكرة، في استيعاب أضخم الصدمات في تاريخي الشخصي وفي تاريخ وطني وأمتي على الاطلاق، وهي صدمة الهزيمة في يونيو (حزيران) ١٩٦٧.
فاجأني أحد أصدقائي من أبناء جيلي وزملاء مهنتي، قبل أيام، ونحن نقلب في خزانة الذكريات، بأن حدثني عن صدمته في يوم تسعة يونيو (حزيران) ١٩٦٧، باقرار جمال عبد الناصر بالهزيمة في الحرب، وإعلانه التنحي عن منصبه لزكريا محيي الدين، مصدر المفاجأة، أنني تلقيت الصدمة قبله بخمسة أيام كاملة، في التاسعة والنصف صباح يوم الخامس من يونيو (حزيران) ١٩٦٧.
كنا نتحلق جلوساً حول طبلية الإفطار المصري التقليدي: فول، وطعمية، وجبن أبيض، وشاي، حين طرقت جارتنا الباب، لتقول: “إنتوا قاعدين تفطروا وإسرائيل ضربت مطاراتنا كلها؟!”.
نفضت يدي وانطلقت لأدير مؤشر الراديو، لم أجد في إذاعاتنا ما قالته جارتنا، لكنني استشعرت صدقه، خطوت مسرعاً الى الحمام لأتقيأ ما تناولته، وقد احمرت عيناي وبحّ صوتي من الحزن، واختفيت في غرفة نوم أبي بعدما أغلقت الباب خلفي جيداً، انكفأت على وجهي فوق سرير أبي، ودخلت في نوبة بكاء هي الأكثر مرارة منذ عرفت الحياة.
كان حدسي يقول لي إن ضرب المطارات الحربية المصرية يعني أن جيشنا أصبح عارياً في سيناء، وأننا بتنا أمة بلا غطاء. وهو ما تبين صحته لاحقاً.
تركت أحمد سعيد، ينقل البشارات الزائفة بالنصر، ولم أشأ أن أخبر أحداً من أهلي وأصدقائي بمخاوفي، حتى لا أنقل عدوى الحزن واليأس اليهم، كنت أمني النفس بأن يكون ما خلصت اليه بالاستنتاج غير صحيح، الى أن صارح عبد الناصر شعبه بأكثر الحقائق مرارة في تاريخنا كله.
كان الظلام الدامس يغطي مصر كلها، حين جلسنا نتابع خطاب عبد الناصر، الذي أعلن فيه عن قراره بالتنحي، وفور انتهاء الخطاب، غنت أم كلثوم تطالب عبد الناصر بالبقاء! خرج الشعب كله الى الشوارع مطالباً جمال عبد الناصر بالبقاء في موقعه. كنت وسط هؤلاء الذين خرجوا لا يعرفون الى أين ستقودهم أقدامهم، لكنني وصحبة من الجيران والأصدقاء، قطعنا شارع شبرا كله، تجرفنا مسيرة كبيرة الى حيث لا نعلم، كل من فيها يبكون وينتحبون ويطالبون عبد الناصر بالبقاء في موقعه.
أمضينا في الشارع ليلتنا الأكثر حزناً على الإطلاق، لا أحد يريد نهاراً يفضح الحزن والعجز وخيبة الأمل في أعيننا، لكن النهار جاء، ومعه تراجع عبد الناصر عن قرار التنحي نزولاً عند إرادة الشعب.
قيل الكثير عن مظاهرات المصريين في التاسع والعاشر من يونيو (حزيران)، للتمسك ببقاء عبد الناصر، قال مصريون ان المظاهرات صنعها الاتحاد الاشتراكي العربي، الحزب الأوحد في عهد عبد الناصر، لكنني لم أكن عضواً بحزب عبد الناصر، ولم أتلقَ لا أنا ولا أصدقائي، أية توجيهات بالخروج الى الشارع، كذلك فَلَو أن هؤلاء الملايين ينتمون بالفعل الى هذا الحزب السياسي الذي أنتج الهزيمة، لكان لدينا أقوى أحزاب الدنيا وأعظمها أثراً. ثم، لو كان بوسع الاتحاد الاشتراكي العربي حشد هؤلاء الملايين في ثوان قليلة، لكان بوسعه من باب أولى أن يمنع الهزيمة قبل وقوعها.
قوة كامنة، خارقة للمألوف، هي من حملت الملايين على الخروج لإعلان تمسكهم بقائدهم المهزوم، في لحظة من أضعف لحظات تاريخه الشخصي والعام على السواء، مصدر هذه القوة في اعتقادي، لا صلة له البتة بالاتحاد الاشتراكي العربي، الذي أعاد عبد الناصر هيكلته بالكامل بعد تسعة اشهر فقط من الهزيمة، وانما مصدرها، هو هذا المخزون الهائل من خبرة التاريخ لدى المصريين، غالبية من خرجوا في التاسع من يونيو (حزيران) ١٩٦٧ مطالبين عبد الناصر بالبقاء في موقعه، فعلوا ذلك لأنهم يريدون من ابنهم الصعيدي جمال عبد الناصر، أن يقودهم الى معركة الثأر، لاستعادة الشرف الوطني المراق فوق رمال صحراء سيناء، أو لأنهم بروح ولاد البلد، يمسكون بطرف ثوب عبد الناصر ليتحمل مسؤوليته عن الهزيمة، وليعد البلاد لمعركة الثأر واستعادة الكرامة، وكأنما لسان حالهم يقول: “موش ح تمشي قبل أن تصلح بيدك ما خربته بيدك”.
عاد عبد الناصر في صبيحة اليوم التالي للتنحي، وتوقفت الإذاعة عن بث أغنية أم كلثوم “ابق فأنت حبيب الشعب”، فقد بقي حبيب الشعب في موقعه وأعلن عودته نزولاً على إرادة الشعب، بينما راح بعض النواب في البرلمان (مجلس الأمة آنذاك) يرقصون في قاعة المجلس “الموقر” احتفالاً بعودة الزعيم.
عاد الزعيم، لكن نوره لم يعد معه، فالظلام الدامس ما زال يغطي القاهرة، والحزن يخيم على كل البيوت والحيطان، والشوارع، بينما يبث الراديو في المقهى القريب من شرفة غرفتي، صوت عبد الحليم حافظ، يغني بخلطة حزن وأمل طحنها عبد الرحمن الأبنودي:
“عدى النهار..
والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر..
وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر…”
مؤامرة، دبرتها المغربية المتسللة الى نهارنا، فالغروب لم يسرق قمرنا ليستضيء به، وانما سرق قمرنا “عشان نتوه في السكة”. هكذا رأى الأبنودي وحليم المشهد المصري عقب الهزيمة.
ويمضي حليم والأبنودي في مبكية وطن حتى يصلا معاً الى ذروة يقين كنا قد بلغناه قبلهم وعبرنا عنه بخروجنا في التاسع والعاشر من يونيو (حزيران): أبداً.. أبداً بلدنا للنهار.. بتحب موال النهار”.


