لم يكن مفاجئاً الموقف المتشدد الذي أبلغه رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد للموفد الفرنسي جان ايف لودريان، بالنسبة الى تشبث “حزب الله” برئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، مرشحاً أحادياً للرئاسة، من دون إبداء أي إستعداد لمناقشة خيارات أخرى، لا سيما وأن لورديان، كان يحاول إقناع فريقي “الممانعة” و”المعارضة”، بأن الذهاب نحو “الخيار الثالث”، هو المخرج الوحيد الممكن لإنهاء الشغور الرئاسي.
وموقف الحزب “المتصلب”، لا ينبع من حسابات لبنانية داخلية صرفة، بل يتصل بصورة أساسية بتطورات الاقليم، بعد السابع من أكتوبر، خصوصاً في أعقاب دخول أذرع إيران العسكرية في كل من لبنان واليمن في الأعمال العسكرية، بهدف “التخفيف” من عبء الابادة التدميرية الاسرائيلية على غزة.
وهذا ما دفع منذ اللحظة الأولى الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله الى التأكيد على ما أطلق عليه “وحدة الساحات”، ملحقاً بذلك لبنان بحرب غزة، ليزداد الانقسام السياسي بين الفريقين المتصارعين، وتزداد الأزمة اللبنانية بكل جوانبها تعقيداً وإستعصاء لأي حلول ممكنة.
هذا الواقع كرّس التشابك بين ملفي رئاسة الجمهورية والحرب على غزة، التي أتبعت بإشعال جبهة الجنوب، بحيث بات الاستحقاق الرئاسي رهينة للبعدين المحلّي والاقليمي. فرئاسة الجمهورية “المعلقة” على لائحة الانتظار، باتت رهن بمجريات الميدان بكل جبهاته وتطوراته، بحيث أن “مسرح العمليات” هو من سيحدد واقعياً مستقبل رئاسة الجمهورية ومصيرها وشخصها.
وموقف “حزب الله” المتشدد رئاسياً، يتعلق باعتبارين إثنين: لبناني وإيراني. على الصعيد اللبناني، فإن الحزب ليس في وارد المغامرة بتقديم تنازلات مجانية بالنسبة الى الاستحقاق الرئاسي، لمعرفته وإدراكه أن الحرب الدائرة في المنطقة، ستكون لها تداعيات ونتائج لا يمكن التكهن بها في الوقت الحاضر، لأنه يعتبرها جزءاً من “المؤامرة الكبرى” أي ما يعرف بـ “الشرق الأوسط الجديد”، بكل ما تنذر به من مشاريع لإعادة رسم الخريطة “الجيو سياسية” للمنطقة.
وهذا ما يجعل الحزب يترقب بحذر شديد التطورات والمتغيرات المرتقبة في المنطقة، بعد اليوم التالي لحرب غزة، وما ستؤول إليه الأوضاع، في ضوء التفاهمات الكبرى، خصوصاً وأن موضوع سلاحه، يبقى حاضراً على الدوام كمادة نقاشية خلافية، مع كل حدث وتطور، ما يعمّق إقتناعه بحتمية إنتخاب مرشحه، الذي يطمئن إليه، خصوصاً إذا ما طرح موضوع السلاح للنقاش، نظراً الى الموقف الحاسم لرئيس الجمهورية في هذا الاطار، من منطلق موقعه الدستوري كأعلى منصب في الجمهورية، وبالتالي بصفته قائداً للقوات المسلحة.
أما على الصعيد الايراني، فمن الواضح أن طهران تمسك بالرئاسة اللبنانية من خلال “حزب الله”، لإبقائها ورقة للتفاوض والمساومة مع واشنطن، في ظل ما يتسرب من معلومات عن أن المفاوضات بين البلدين تحولت إلى مفاوضات مباشرة، بحيث أن إيران تجيد تجميع الأوراق التفاوضية، لتحقيق مكاسب على صعيد الافراج عن المزيد من الأموال الايرانية، مع تكبير حجم برنامجها النووي.
الخلاصة، إيران ستبقي الرئاسة اللبنانية “مخطوفة”، بإنتظار ما يقايضها من الادارة الأميركية.


