تجاوزت المساحة الاجمالية للحرائق في جنوب لبنان جراء إستخدام العدو الاسرائيلي قنابل الفوسفور الأبيض، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أكثر من 15 مليون متر مربع. وأوضحت المنظمة أنّها تحقّقت من استخدام القوات الاسرائيلية ذخائر الفوسفور الأبيض في 17 بلدة على الأقل جنوبي لبنان، خلال ثمانية أشهر من المواجهة المحتدمة مع “حزب الله”. إستخدام إسرائيل لهذا النوع من القذائف، لا بد من أن يطرح التساؤل عن سببه وأهدافه، ضمن سياق جغرافي محدد.
بداية لا بد من تعريف هذا المركب، وما هي آثار إستعماله، وما إذا كان محظوراً إستخدامه.
الفوسفور الأبيض هو سلاح كيميائي سام وخطير، عبارة عن مادة صلبة شمعية شفافة، بيضاء مائلة الى الاصفرار. ويستخدم هذا المركّب في مجال التصنيع العسكري لإنتاج القنابل، التي من المفترض أن يتركّز استخدامها على أغراض التمويه في الحروب، عبر إخفاء تحرّكات أرتال الجيوش، لقدرتها على إنتاج سحب كثيفة من الدخان الأبيض تحجب الرؤية، إلا أنها في الوقت نفسه تعدّ من القنابل الحارقة والمدمّرة وبقدرات عالية. والذخائر التي تحتوي الفوسفور هي أسلحة حارقة يحظّر استعمالها ضد مدنيين، إنما يمكن استخدامها ضد أهداف عسكرية بموجب اتفاقية جنيف المبرمة، في العام 1980. ويمكن استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض بصورة قانونية في ساحات القتال لصنع ستار من الدخان أو الاضاءة أو تحديد الأهداف أو حرق المخابئ والمباني.
ونظراً الى أن الفوسفور الأبيض له استخدامات يحددها القانون، فهو غير محظور كسلاح كيميائي بموجب الاتفاقيات الدولية، لكنه يمكن أن يسبب حروقاً خطيرة ويشعل الحرائق. ويعتبر سلاحاً حارقاً بموجب البروتوكول الثالث لاتفاقية حظر استخدام أسلحة تقليدية معينة. ويحظر البروتوكول استخدام الأسلحة الحارقة ضد الأهداف العسكرية الواقعة بين المدنيين، لكن إسرائيل لم توقع على الاتفاقية وغير ملزمة بها.
لا تقتصر مخاطر القنابل الفوسفورية على القتل والحرق اللذين يطالان ضحاياها، بل يمتد تأثيرها إلى البيئة المحيطة، فتتسبّب تلويث الماء والتربة، بعد أن تنهي مهمّتها في تلويث الأجواء بدخانها الخانق. كما أن الفوسفور الأبيض يلوث التربة والمسطحات المائية ومجاري الجداول، ويمكن أن يستمر هذا التلوث لفترة طويلة، كما تؤدي ترسباته في المسطحات المائية إلى الإضرار بالنظام البيئي والأسماك والبرمائيات والأنواع المائية الأخرى، بالاضافة إلى مصادر غذائها. كل هذه الآثار التي تخلفها القنابل الفوسفورية، كفيلة بأن تجعل المناطق المتضررة غير مناسبة للعيش، بسبب إختلال النظم البيئية، ما يقضي على مقومات الحياة فيها.
بناءً على كل ذلك، وفيما يمعن العدو الاسرائيلي في إستخدام تلك القنابل، المستغرب أنه يتم لبنانياً التعامل مع الموضوع من زاوية إنسانية وبيئية (على الرغم من أهميتها)، من دون التعمق في تحليل حقيقة الأهداف الاسرائيلية. من خلال التدقيق الميداني، يمكن الاستنتاج أن إسرائيل تتعمد إعتماد إستراتيجية “الأرض المحروقة” للقرى والبلدات المتاخمة للحدود، من خلال التدمير الممنهج الكامل للمنازل والمنشآت، وبالتالي تلويثها بالفوسفور الأبيض، وكأنها تهدف إلى جعل تلك المساحة الجغرافية غير مؤهلة للسكن. والملاحظ أن نطاق إستخدام الفوسفور يشمل ما بات يعرف بـ”المنطقة العازلة” التي تطالب بها إسرائيل، كشرط أساسي لأي هدنة، والتي تهدف الى أن ينسحب “حزب الله” منها إلى مسافة 30 كيلومتراً شمال الليطاني، وهذا ما كان يلقى رفضاً قاطعاً وحاسماً من الحزب، بحيث كان يبلغ إما مباشرة أو بالتواتر جميع الموفدين الذين كانوا يحملون مبادرات للتهدئة، هذا الموقف الصلب، غير القابل للنقاش أو المساومة. وأمام رفض “حزب الله” هذه “المنطقة العازلة”، وعجز إسرائيل عن فرضها عن طريق القنوات الديبلوماسية، لجأت إلى سياسة “الأرض المحروقة” للمناطق التي كانت تطالب باخراج قوات الحزب منها، وجعلها “منطقة عازلة”، لإبعاد القدرات القتالية للحزب عن حدودها الشمالية، معتمدة على سلاحي التدمير والفوسفور.
وفي هذا السياق، من الضرورة بمكان التذكير بأنه ومنذ إشتعال جبهة الجنوب، أرغم أكثر من 93 ألف مواطن على النزوح، خصوصاً من القرى الحدودية، وفق “المنظمة العالمية للهجرة”، في حين يقدّر مجلس الجنوب المنازل المهدمة كلياً بـ1700 منزل، يضاف إليها 14 ألف منزل متضرر. فإذا ما تم تجميع الآثار الكارثية والمأساوية للاعتداءات الاسرائيلية على المناطق الحدودية جنوب لبنان، وما نتج عنها من أضرار على كل الصعد، يمكن الاستنتاج أن العدو الاسرائيلي ينشئ “المنطقة العازلة” حرقاً وتدميراً، وتعطيلاً لسبل العيش فيها بالفوسفور الأبيض. لكن، يجب أن لا نسقط من الحسبان، مقابل ما ألحقته إسرائيل من تدمير وأضرار، ما تسببت فيه جبهة الجنوب من تهجير جماعي لسكان المستوطنات الاسرائيلية شمال الكيان الصهيوني، ما بات يشكل عبئاً إجتماعياً على حكومة بنيامين نتنياهو، لتشكل ورقة ضغط، يتم إستخدامها للتفاوض من الجانب اللبناني.


