لا أعرف حتى الآن، لماذا كانوا يعتبرون طلاب القسم الأدبي بالمرحلة الثانوية من الفاشلين…
عدت الى مدرستي الثانوية بعد ثلاثة أشهر من هزيمة يونيو (حزيران)، كنا أواخر العام ١٩٦٧، ما زلنا لا نعرف بالضبط، حجم الهزيمة التي حاقت بنا، نعرف فقط أننا فقدنا سيناء كلها، لكننا لا نعرف مقدار ما لحق بنا من خسائر في العتاد والسلاح والرجال.
مساحة الجهل تلك، سمحت لمساحة الأمل أن تتمدد، كانت لدينا أوهام أحببناها، كنا نظن أن عودة الأرض مسألة شهور، وأن رد الاعتبار، مسألة قرار تتخذه القيادة، كنا نجهل أيضاً حجم خسارتنا المعنوية في محيطنا العربي والاقليمي، لم نكن نعرف حجم النقص في الموارد الناجم عن فقدان حقول النفط في سيناء وخليج السويس، وكذلك عن إغلاق قناة السويس ذاتها.
حتى مظاهرات الطلبة في فبراير (شباط) ١٩٦٨، احتجاجاً على أحكام رأيناها هزيلة، ضد قادة سلاح الطيران المصري المتهمين بالتقصير، كانت نتاج أوهام هي الأخرى، فلم تكن مسؤولية قادة الطيران عن الهزيمة، بأكثر من مسؤولية القيادة السياسية عنها، سواء بترددها ازاء خطايا مرئية ارتكبها المشير عبد الحكيم عامر ورجاله في القوات المسلحة، أو بعجزها عن رؤية المصيدة التي أعدت بإحكام لاصطياد “الديك الرومي” كما أسماه الأميركان.
بدأ العام الدراسي، عقب الهزيمة، بتعيين ناظر جديد للمدرسة قيل انه يمت بصلة قرابة الى جمال عبد الناصر، كان الرجل مهيباً وقوراً فيه حزم وعزم، وكان اسمه محمد محفوظ هلال، مربوع القامة أشيب الفودين، أنيق الملبس.
مرَّ الناظر الجديد بفصول المدرسة، فصلاً، فصلاً، في اليوم الأول، كان الصف الثاني الثانوي يضم ثلاثة عشر فصلاً، بينهم فصل واحد أدبي، واثنا عشر فصلاً “علمي”، ما إن اقترب الناظر الجديد من فصلنا الأدبي الوحيد، حتى أمرنا مدرس الاقتصاد بحزم، أن نقف انتباهاً تحية للناظر، الذي مرَّ بين المقاعد، وطالع في الوجوه، وكأنه ضابط مباحث يستعرض طابوراً للمتهمين، ثم أمرنا بالجلوس، وما إن جلسنا حتى صدمنا الرجل بقوله: “ثانية أدبي.. نتيجتكم ان شاء الله صفر في المايه.. كلكم ساقطين”.. قالها ثم غادر وكأنه لم يبصق في وجوه شباب أصبح بعضهم لاحقاً رموزاً مصرية يشار اليها بالبنان.
عدنا للدراسة، مهزومين كمصريين، ومدموغين بالفشل كطلاب “أدبي”، كان الشاويش يحيى (بتاع مادة الفتوة) قد عاد هو أيضاً، لكن شاربه الفتي ما عاد فتياً، فقد هزمته الهزيمة، وبدت قبضته رخوة في التعامل مع طلاب انكسرت عندهم صورة الرمز، وشحبت هالة الزعامة.
على عكس المفترض، بعد هزيمة عسكرية، تراجع اهتمام المدرسة بمادة الفتوة (العسكرية)، ولم نرَ أية برامج للشحن المعنوي أو التعبوي لشباب، في طور الفتوة، بل ان الإذاعة المدرسية التي كانت تبث في الفسحة أغاني وطنية مثل “صورة.. صورة”، و”بالأحضان يا بلادنا يا حلوة بالأحضان”، راحت تبث أغنيتان في فترات الفسحة، إحداهما كانت “سيرة الحب” لأم كلثوم، اما الثانية فهي حكاية، اذ كانت أغنية هندية، جرى إسقاط كلمات عربية داخل لحنها الصاخب، الحافل بآهات الدلال والدلع، كانت كلماتها تقول:
“الساكن الجديد واقف لي في سكتي
يتبسم من بعيد أرد ببسمتي…
إيه ده يا اخواتي ده…!
وده اسمه حب ده…!
الساكن الجديد واقف لي في سكتي!…
ده ساكن من يومين على الناصية الشمال
وع الناصية اليمين قاعد يشاورلي قال
الساكن الجديد واقف لي في سكتي…”.
لا أعرف إن كان هذا الساكن الجديد هو لون من ألوان الهروب الجمعي من مزاج وطني مأزوم، أم أن هذه الاغنية الساقطة التي جعلتها الإذاعة المدرسية مقررة علينا في الفسحة، قد تسللت وحدها خفية أو بفعل فاعل الى آذان وصفها الشاويش يحيى بأنها طرية.
تجربتنا، داخل الفصل، بعد هزيمة ثقيلة حاقت بوطننا، لم تكن بأفضل حالاً من تجربتنا في الفسحة، كنا مهزومين عدة مرات داخل الهزيمة الكبرى ذاتها، احدى هذه الهزائم حاقت بي شخصياً على يد الشيخ عبد الجواد أستاذ اللغة العربية، فقد حدث في مستهل العام الدراسي، أن طلب أن يكتب كل منا موضوعاً تعبيراً عن مثله الأعلى.
الرجل لم يملي علينا اسماً بعينه أو رمزاً بذاته، ومن المفترض أن نكون أحراراً في اختيار من نراه مثلاً أو قدوة، وقع اختياري من دون أدنى تردد على عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، فأنا بالفعل مأخوذ بعقل الرجل وبشخصيته وبتجربته وبقوة ارادته، وبعلمه ومنطقه، فضلاً عن حب أمي له فقد كان زميلاً لأبيها (جدي لأمي) في كتاب القرية.
وفي يوم مشهود، أمرني الشيخ عبد الجواد بالوقوف، ثم راح يكيل لي الشتائم والسخائم أمام زملائي بالفصل، لم أعرف لماذا، ولا ماذا فعلت لكل تلك الإساءات والبذاءات، حتى غادر الشيخ مكانه قرب السبورة واجتاز الممر ليقف الى جواري تماماً وبيده عصا راح يضرب بها فوق ظهري وهو يقول: مثلك الأعلى طه حسين الكافر. يا أبو عقل حجري…؟! طه حسين المارق يا أبو عقل جاف…؟! ماذا أعجبك في طه حسين، هل عدمت مصر الرموز، وهل ضاقت الدنيا في عينك فلم ترَ سوى هذا الكافر؟”.
لم أكن أعرف أن صاحب “على هامش السيرة” و”الفتنة الكبرى” كافراً، لكنني لم أكن قد سمعت بعد بخصومة الأزهر والأزهريين مع طه حسين بسبب كتابه “في الشعر الجاهلي”.
أمر الشيخ عبد الجواد جاري في المقعد المدرسي وكان اسمه الأمير فياض عبد العظيم (مستشار الآن في إحدى الهيئات القضائية) بالنهوض ليقرأ علينا ما كتبه، فنهض الزميل واستهل موضوعه باختيار عباس محمود العقاد، قائلاً: “العالم العلامة، والخبر الفهامة، وحيد عصره، وفريد دهره عباس محمود العقاد”. بدا الشيخ منتشياً بالعبارات المحفوظة والممجوجة والمكررة وواصل الضرب على ظهري بعصاه مؤنباً إياي لأنني لم أحذو حذو زميلي في الكتابة العاقلة الواعية الرصينة.
ولدت بعقل متمرد، وأخذت بقدرة طه حسين على التمرد، لكن الشيخ عبد الجواد لم يرقه تمردي واعتبرني فاشلاً، وقد حدث بعد التحاقي بكلية الحقوق في جامعة عين شمس أن التقيت الشيخ عبد الجواد بجبته وقفطانه وعمامته الأزهرية عند باب الجامعة فحييته بأدب ليفاجئني بسؤال استنكاري: انت هنا بتعمل ايه؟! أجبته، أنا طالب في كلية الحقوق بالسنة الثانية، فأجابني باستنكار: ودي عرفت تدخلها ازاي؟! معتبراً أنني كفاشل ممن يعجبهم طه حسين وأمثاله لست جديراً بالالتحاق بكلية الحقوق. وعلى الرغم من سخافة تعليقاته، سألته إن كان بحاجة الى أي خدمة بالجامعة، فقال لي انه يريد مقابلة الدكتور محمد حافظ غانم أستاذ القانون الدولي وكان وقتها وزيراً للتعليم، فاصطحبته حتى مكتب الوزير، وفهمت منه في الطريق أن أحد أبنائه يدرس بالسنة الأولى في كلية الحقوق (انتساب) فوعدته بتوفير الكتب الدراسية له مما توافر عندي من عام مضى، وسلمتها له بالفعل في وقت لاحق.
وبعد سنوات وبينما كنت في طريقي الى مكتبي بمجلة “أكتوبر”، التقيت الشيخ عبد الجواد لدى انتظاره في إحدى المحطات بدوران شبرا، فصافحته ليسألني: انت بقيت فين دلوقت؟ قلت له: أعمل الآن صحافياً بمجلة أكتوبر ووكالة أنباء الشرق الأوسط. بدا الرجل مندهشاً، وقال وهو يعيد ضبط عمامته فوق رأسه: ودي جبتها ازاي دي؟ لكنه استدرك ضاحكاً: على أي حال ربنا يوفقك يا بني.
بعد سنين كثيرة، امتدت خلالها رحلتي في العمل والحياة، اكتشفت أنني ربما ظلمت الشيخ عبد الجواد، فالرجل لم يكن حالة فردية، لكنه ظاهرة في حياة المصريين، تتكرر مهما مر الزمن، فهي أحد هوامش مرهقة في ثقافتنا العميقة جداً.


