تفويض مقيد لجمال عبد الناصر

عبدالمنعم مصطفى

كان خروج المصريين في التاسع والعاشر من يونيو (حزيران) ١٩٦٧، تفويضاً مقيداً من الشعب للزعيم الذي أقر بمسؤوليته عن الهزيمة، وتخلى عن “كل منصب رسمي” متنازلاً عن تفويض مطلق كانت الجماهير قد أعطته له عقب قراره بتأميم قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو (تموز) ١٩٥٦.

سقط التفويض المطلق بهزيمة يونيو، وعاد التفويض المقيد بخروج الشعب في التاسع والعاشر من يونيو، واستوعب عبد الناصر، الدرس، فهو لم يعد مطلق اليد الا في ما يتعلق بإزالة آثار العدوان، وحزبه الأوحد (الاتحاد الاشتراكي العربي) ما عادت صيغته التي أنتجت الهزيمة قادرة على انتاج ما يقودنا الى الانتصار.

في التاسع من يونيو، جرت ازاحة المشير عبد الحكيم عامر عن موقعه كقائد عام للقوات المسلحة، كانت تلك برأيي أولى خطوات إعداد الدولة للحرب.

ازاحة عامر كانت إشارة الى تحميله الجانب الأكبر من المسؤولية عن الهزيمة، فهو صاحب عبارة “برقبتي يا ريس” رداً على سؤال عبد الناصر عن جاهزية الجيش للحرب. لكن آخرين كان ينبغي أن يحملوا المسؤولية معه، ولهذا جرت محاكمات عسكرية لقادة سلاح الطيران المصري الذي جرى تدمير معظمه صبيحة الخامس من يونيو، وهو رابض على الأرض.

الأحكام التي رآها الشباب الغاضب، شكلية أو مخففة، لا تعبر عن فداحة الهزيمة، وعمق المأزق الوطني، قادت الشباب الى الخروج في مظاهرات احتجاجية لأول مرة في عهد عبد الناصر.

كنت بين من خرجوا في مظاهرات فبراير (شباط) ١٩٦٨ احتجاجاً على نتائج محاكمات قادة سلاح الطيران، وفي ميدان رمسيس، حيث كانت المظاهرة، أحاط بنا رجال أمن شديدو البساطة والطيبة، لا يعتمرون الخوذات، ولا يطلقون قنابل الغاز، فكل سلاحهم عصي من الخيزران، يلوحون بها يمنة ويسرة لتفريق المتظاهرين الذين لا يتجاوز عددهم بضع مئات معظمهم من طلاب الجامعات. (في هذا العام ذاته، وبعد تلك المظاهرات، جرى تأسيس قوات الأمن المركزي، ومكافحة الشغب، والذين أوكلت اليهم مهمة التصدي لمظاهرات طلاب الجامعات، في مطلع عام ١٩٧٢، مطالبين السادات بخوض الحرب ضد اسرائيل).

نالت مني ضربة بطرف عصا، أجبرتني على الاحتماء بالقفز الى داخل عربة ترام مفتوحة من الجانبين كانت تجتاز طريقها بصعوبة وسط زحام المتظاهرين.

منحتني تجربة الاشتراك في أول مظاهرة احتجاجية في عهد عبد الناصر، شعوراً رائعاً بـ “الايجابية”، كنت قد التحقت قبل أسابيع بالصف الثاني الثانوي بمدرسة روض الفرج الثانوية (فاروق الأول سابقاً)، وفي صباح اليوم التالي وبينما نتداول في المدرسة أنباء مظاهرات اسكندرية وكان يقودها طالب اسمه عاطف الشاطر، قررنا تنظيم مظاهرة احتجاج على أحكام قضائية لا نراها كافية، ضد قادة سلاح الطيران.

قرر محمد محفوظ هلال ناظر المدرسة، وكانت به ملامح شخصية من جمال عبد الناصر، معاقبتنا بالحرمان من دخول المدرسة، وأمر باغلاق الأبواب دوننا، فاشتعلنا حماساً، وارتفعت أصواتنا بالهتاف، داعين زملاءنا داخل المدرسة الى اللحاق بنا، ما أجبر الناظر قوي الشكيمة، على التراجع وفتح باب المدرسة أمام دخول الطلاب المتظاهرين.

استطاع عبد الناصر تطويق الشباب الغاضب، واستقبل في منزله لأول مرة، وفداً طلابياً برئاسة طالب الطب عبد الحميد حسن الذي كان رئيساً لاتحاد طلاب مصر آنذاك. كما طرح عبد الناصر صيغة جديدة لاصلاح النظام السياسي، ضمنها فيما عرف ببيان ٣٠ مارس (آذار).

كان بيان ٣٠ مارس، يحمل رؤية اصلاحية، تعبّر ضمناً عن اعتراف عبد الناصر بمسؤولية الجهاز السياسي عن الهزيمة.

كانت توابع زلزال هزيمة يونيو، عنيفة، لكن صموداً أسطوريا للمصريين، مكنهم من تجاوزها، ففي عام ١٩٦٨ استقبلنا في الصف الثاني الثانوي أدبي، أول القادمين من المهجرين من مدن القناة، كان أحدهم من الإسماعيلية، هو سليمان علي محمود القاوي ( الكاتب الكبير سليمان الحكيم الآن) يحمل ذراعه آثار حرق ترك ندوباً كبيرة، وكان كلما مرت فوق المدرسة، احدى المقاتلات أو القاذفات، يهرول الى داخل الفصل ويحتمي بالدخول تحت الديسك، صارخاً وقد أصابته نوبات هلع: “ميراج وديني.. ميراج وديني” (في إشارة الى طائرات ميراج الاسرائيلية التي كانت تغير على منازل المصريين بطول خط القناة).

زميل آخر، جاء مع أسرته مهجراً من السويس، كان خفيف الدم، ثقيل الدعابة، به بعض الاستهتار، لدى التحاقه بفصلنا، استبق وصول المدرس، وأمسك بالطباشير وراح يكتب على السبورة، واحدة من النكات التي أطلقها المصريون بعد الهزيمة.

كانت الأسابيع التي أعقبت تنحي عبد الناصر وعودته، قد شهدت احتقاناً في صفوف ثوار يوليو، اثر صراع بين عبد الناصر والمشير، انتهى بانتحار الأخير، ومحاكمة وعزل من انضموا اليه قبل انتحاره، وكان من بينهم عباس رضوان وشمس بدران وابونار.

كتب زميلنا القادم مع أسرته من السويس على السبورة:

عن عباس ابن رضوان

عن شمس ابن بدران

عن عباس ابن ابي نار.. أنه قال:

ثلاثة لا يظلهم الله بظله يوم لا ظل الا ظله..

من هام في حب وردة

ومن دخل حرب بغير عدة

ومن انتحر في وقت شدة

(الصفات الثلاث جرى اسقاطها على المشير عامر الذي سرت شائعات قبل الهزيمة عن علاقة خاصة تربطه بالفنانة وردة الجزائرية).

كانت النكتة التي كتبها زميلنا السويسي موجعة، لكن مدرس الحصة الذي قرأها قبل أن يطالب من كتبها بأن يمحوها بنفسه، لم يبدِ اعتراضاً على محتواها، ولا احتجاجاً على كتابتها، كانت الهزيمة تفتح أمام المصريين باب استكشاف طريقهم، على خطى استباحة رموز الحكم عندهم، قبل أن تصبح الاستباحة ديناً للمصريين بعد ثورة ٢٥ يناير (كانون الثاني) ٢٠١١.

شارك المقال