هل ينجح باسيل؟

صلاح تقي الدين

كثيرة هي العروض والاغراءات التي تلقاها رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل للقبول بالسير في ترشيح رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، لكنه رفضها كلها وقرّر بعدما استفحل الفراغ الرئاسي، أن يخوض تجربة شبيهة بتجربة كتلة “الاعتدال الوطني” ومن بعدها كتلة “اللقاء الديموقراطي”، وأن يقوم بجولة على كل الكتل النيابية بهدف عدم إيصال فرنجية إلى قصر بعبدا.

ويقول مصدر في كتلة “اللقاء الديموقراطي” إن “في الحركة بركة”، مشيراً إلى أن النائب باسيل خلال لقاء الكتلة برئاسة النائب تيمور جنبلاط معه كان إيجابياً جداً في مسألة تحريك المياه الرئاسية الراكدة من خلال التواصل، وهو في جولته يتكامل مع جولة اللقاء ومع الجولة التي سبق أن قامت بها كتلة “الاعتدال”، وبالتالي لا تتعارض و”ليست للقوطبة”.

غير أن باسيل كما بات معلوماً، يحاول تجميع كتلة من الأصوات التي تفوق الـ 65 نائباً كي يستطيع إرسال رسالة إلى الثنائي الشيعي وتحديداً إلى “حزب الله” أن مسألة “العناد” في ترشيح فرنجية لن تمر وأن الهدف من جولته هو الوصول إلى توافق حول اسم شخصية ثالثة مقبولة من الجميع، وبذلك أيضاً يضرب ترشيح قائد الجيش العماد جوزيف عون ولعل هذا هو بيت القصيد.

وإذ بدأ باسيل جولته من بكركي حيث سعى إلى الحصول على بركة البطريرك بشارة الراعي، إلا أن ما أعلنه عقب اللقاء جاء لافتاً من حيث المضمون بحيث كرّر بوضوح معارضته بصورة مطلقة وصول فرنجية إلى بعبدا، لكنه ألمح إلى ضرورة أن يكون للقوى المسيحية الدور المبادر في انتخاب الرئيس. وقال: “هذا الاستحقاق نحن معنيون بالمبادرة وليس علينا الانتظار” في إِشارة على الأرجح إلى انتظار بعض القوى السياسية التسوية الاقليمية التي قد تفرض على اللبنانيين رئيساً.

غير أن باسيل كان واضحاً من حيث قبوله الحوار أو التشاور مشدّداً على “أننا لا نقوم بمبادرة. نحن نتكامل مع بعضنا، مع القوى التي ترى التوافق العنوان للنجاح في الانتخاب ونجاح العهد”.

لكن باسيل الذي عاد وزار رئيس مجلس النواب نبيه بري، أعلن من على منبر عين التينة كلاماً أكثر وضوحاً لكنه يصب في الاطار نفسه بحيث أوضح أن البحث تطرق الى الموضوع الرئاسي والى عدم ربط الرئاسة بأحداث الجنوب وغزة والمنطقة، مؤكّداً “على العكس، يجب أن يكون ذلك حافزاً للانتخاب وليس سبباً لعدم الانتخاب وانتظار أي تسوية”. أضاف: “حصل تأكيد على الكلام الذي يقول إن أي تسوية خارجية لن تأتي برئيس في الداخل فالذين ينتظرون تسوية ويراهنون عليها هذا انتظار غير عقلاني وغير محسوم”.

بعدما كان طموح باسيل أن يكون الرئيس الذي يعبر إلى قصر بعبدا بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، ونتيجة الظروف الدولية التي فرضت عليه عقوبات بموجب قانون ماغنتسكي، إضافة إلى معارضة قوية في الداخل تبدأ من القوى المسيحية الأخرى وتحديداً “القوات اللبنانية” و”الكتائب” ناهيك عن القوى التي عارضت ولاية الرئيس عون كون باسيل كان يتصرّف خلالها بفوقية وتعالٍ لا تناسب الحياة السياسية اللبنانية، فإنه يحاول على الأرجح اليوم أن يكون “صانع الرؤساء” ويريد أن يستكمل الدور الذي لعبه سابقاً في “تشويه” صورة الأسماء المارونية القوية التي يمكن أن تشكل عائقاً أمامه، وهو ما يعتقد المصدر في “اللقاء الديموقراطي” أن باسيل يسعى إلى تحقيقه.

لكن المصدر يؤكد في المقابل أنه بغض النظر عن طموحات باسيل الشخصية أو سعيه الى أن ينتزع من الرئيس العتيد ضمانات “سياسية وإدارية” تصب في صالحه، فان مجرد قبول رئيس “التيار الوطني الحر” بمبدأ الحوار والتوافق يعني أن بالامكان التوافق معه على اختيار اسم ماروني “ثالث” لا يشكّل استفزازاً له ولا “يطعن” المقاومة في ظهرها، ويملك رصيداً كافياً من العلاقات العربية والدولية التي تسمح له بوضع “السكة” على مسارها لاعادة بناء الدولة.

ويتابع المصدر أن باسيل في هذا الموقف، يتمايز بصورة كبيرة عن “خصمه” رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الذي يرفض مبدأ الحوار والتوافق بحجة أن هذا بدعة غير دستورية لا يمكن السير فيها، في حين أن الواقع يشير إلى رفض “القوات” ورئيسها القبول بأن يكون “رئيس مجلس النواب هو من يدير البلد ويفرض الرئيس الماروني”.

يبقى السؤال الأهم في حراك باسيل هو: هل سينجح في مسعاه، وهل سيكون قادراً على تشكيل مجموعة من الكتل النيابية التي تقبل بالانضمام إلى تحالف يقوده، وهو كان له مع العديد منها تجارب فاشلة سابقاً؟

لا بد من الاعتراف بأن “اللقاء الديموقراطي” الذي يستكمل جولته على الكتل النيابية يملك مصداقية من حيث تموضعه “الوسطي” والمعروف إضافة إلى أن الرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط كان قد أعلن مراراً أنه يسير في انتخاب أي رئيس توافق عليه إحدى أكبر كتلتين مسيحيتين في إشارة إلى “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، فهل سيسير النائب تيمور جنبلاط على المبدأ نفسه ويلاقي باسيل في دعوته إلى خيار ثالث يكون مقبولاً منه؟

الوقت وحده كفيل بإزاحة الستارة عن مسرحية انتخاب رئيس للجمهورية، فمع تشديد بعض القوى السياسية على رفض ربط انتخابات الرئاسة بالحرب الاسرائيلية على غزة وانخراط “حزب الله” في جبهة الاسناد التي أطلقها في الجنوب، تبدو كل المحاولات المبذولة لتحريك المياه الراكدة في الانتخابات الرئاسية وكأنها لتقطيع الوقت ولن ينتج عنها أي خير مأمول سوى أن هذه الجولات تقرّب النواب والكتل من بعضها البعض وهذا أمر جيد يمكن التعويل عليه.

شارك المقال