كان لافتاً في خطاب الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله، أن تحذيراته شملت قبرص، الدولة “الجزيرة الصغيرة” الواقعة في البحر المتوسط، والعضو في الاتحاد الأوروبي والقريبة جغرافياً من لبنان وإسرائيل. فقد حذّر نصر الله قبرص بعدما كشف عن معلومات تلقاها الحزب تفيد بأن اسرائيل التي تجري سنوياً مناورات، قد تستخدم المطارات والقواعد القبرصية لمهاجمة لبنان، في حال استهداف “حزب الله” المطارات الإسرائيلية. وأكد أنه “في حال فتح المطارات والقواعد القبرصية للعدو الاسرائيلي لاستهداف لبنان يعني أن الحكومة القبرصية جزء من الحرب، وستتعاطى معها المقاومة على أنها جزء من الحرب”.
الجدير ذكره في هذا السياق، أن علاقات وثيقة تربط قبرص بكلّ من لبنان وإسرائيل، كما أنها تبعد حوالي 200 كيلومتر عن لبنان و340 كيلومتراً عن إسرائيل. وهذا التحذير ألقى الضوء على الدور الذي تلعبه قبرص في الحرب الدائرة بين إسرائيل و”حزب الله”. ولكن لماذا تعمد نصر الله في خطابه توجيه تحذير إلى قبرص، في هذه اللحظة الاقليمية الحرجة، مع تزايد إحتمالات توسع الحرب على الحدود اللبنانية والاسرائيلية، والمخاوف من تحولها إلى حرب إقليمية؟
من غير المعروف أن قبرص تتيح للجيش الاسرائيلي استخدام أي مرافق برية أو قواعد عسكرية، لكنها سمحت في الماضي لاسرائيل باستخدام مجالها الجوي لإجراء تدريبات جوية من حين الى آخر، ولكن لم يحدث ذلك مطلقاً أثناء الصراع.
بناءً عليه، في حال تدحرجت التطورات الميدانية الى حرب في المنطقة، فإن قبرص ستشكل جزءاً من خريطته، خصوصاً في ظل التعاون العسكري بينها وبين إسرائيل، التي كان جيشها بدأ العام الماضي مناورات عسكرية على الأراضي القبرصية تحمل اسم “شمس زرقاء”، تحاكي حرباً على لبنان. ففي نيسان الماضي، كشفت إذاعة الجيش الاسرائيلي أن سلاح الجو أجرى مناورات في الأجواء القبرصية تحاكي هجوماً على إيران. ونقلت “القناة 12” الاسرائيلية عن مصادر عسكرية قولها إن المناورات تستهدف تجهيز المنظومتين الدفاعية والهجومية للرد على أي هجوم إيراني.
وشدد مسؤولون عسكريون كبار في الجيش الاسرائيلي، على أن الجيش متأهب لأي عملية عسكرية في أي جبهة، وأن المناورات في قبرص هدفها تدريب سلاح الجو الذي كان منشغلاً بتنفيذ عمليات في غزة ولبنان. وأشارت إلى أن “سلاح الجو الإسرائيلي كان قد أوقف قبل نصف عام تمريناته بسبب إنشغاله في الحرب في قطاع غزة والجبهة الشمالية، ولكنه إستأنفها مؤخراً، في ظل تهديدات طهران”.
وفي آذار الماضي، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن “إسرائيل تتجه الى الاستحواذ على ميناء في قبرص، بحجة حماية وارداتها من البضائع في حال استهداف ميناء حيفا. وزعمت الصحيفة أنه “يمكن للميناء قيد النظر أن يحمي واردات إسرائيل من البضائع في حال ظهور مخاطر أمنية في ميناء حيفا”، مشيرة الى أن “هذه المبادرة تأتي في إطار جهود إسرائيل لإيجاد حلول بحرية لتوريد البضائع إلى البلاد، لا سيما استجابة لسيناريوهات الأمن القومي والتحديات المتعلقة بالخدمات اللوجيستية البحرية”. وأفادت بأن “التكلفة التقديرية لمثل هذا الاستحواذ تبلغ حوالي 140 مليون دولار، والقبارصة مهتمون بهذا الاقتراح”.
ورداً على تهديدات نصر الله، أعلن سفير قبرص لدى تل أبيب كورنيليوس كورنيليو، أن بلاده سترد رسمياً على تصريحات الأمين العام لـ “حزب الله”، مؤكداً أن “العلاقات بين إسرائيل وقبرص لم تكن بهذه القوة من قبل، وكل شيء يتم علناً”. إلا أن الرد الرسمي من الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس جاء ليحتوي الأزمة، قائلاً: “لم نتورط في حروب، ونحن جزء من الحل وليس المشكلة”. وهذا التعاون العسكري بين البلدين ليس جديد العهد، إذ انه في العام 2016، أعلنت وزارة دفاع قبرص بدء مناوراتها العسكرية المشتركة مع القوات الاسرائيلية، موضحة أن المناورات العسكرية التي أطلق عليها اسم (Oni̇si̇llos-Gedeon 1- 2016)، تأتي تطبيقاً لإتفاقية التعاون العسكري المبرم بين الطرفين.
يشار في هذا السياق، إلى أن بريطانيا تملك سيادة على قاعدتين في قبرص، التي كانت مستعمرة لها بناء على اتفاقات منحت الجزيرة إستقلالها في العام 1960. وقد استخدمت بريطانيا القاعديتين داخل قبرص في عمليات بسوريا، وفي الآونة الأخيرة في اليمن، من دون أن يكون لها رأي في ذلك.
اللافت في توقيت مواقف نصر الله أنه جاء غداة إعلان الجيش الاسرائيلي “الموافقة” على خطط عملياتية لهجوم في لبنان، وتوعّد وزير الخارجية الاسرائيلي يسرائيل كاتس بالقضاء على “حزب الله” في حال إندلاع “حرب شاملة”، على وقع استمرار التصعيد على الحدود اللبنانية الاسرائيلية منذ أكثر من ثمانية أشهر. كما أعقبت مواقف نصر الله كذلك، زيارة أجراها المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين إلى بيروت، سبقتها وتلتها لقاءات عقدها مع مسؤولين إسرائيليين، شدد خلالها على أن إنهاء النزاع بين “حزب الله” وإسرائيل بطريقة ديبلوماسية وبسرعة هو أمر “ملح”.
يتضح من كل ذلك، أنه وبعد الرسالة التي أرسلها “حزب الله” الى سرائيل جواً عن طريق “الهدهد الزاجل” بأن ميناء حيفا ضمن “بنك” أهدافه، فإن السيد نصر الله، وجه رسالة “بحرية” خلال خطابه، بأن بديل حيفا (قبرص) أيضاً ضمن “بنك” أهدافه.


