سيدي الرئيس،
“أشكر لكم دعوتكم منظمة التحرير الفلسطينية لتشارك في هذه الدورة من دورات الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة. وأشكر كل الأعضاء المحترمين في هيئة الأمم المتحدة الذين أسهموا في تقرير إدراج قضية فلسطين على جدول أعمال هذه الجمعية وفي إصدار قرار بدعوتنا لعرض قضية فلسطين”. هذا ما بدأ به أبو عمار كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974.
وفي تلك المناسبة، ومن كلمة رئيس منظمة التحرير “أبو عمار” هذه المقتطفات: “إننا نعتبر هذه الخطوة” – أي دعوة منظمة التحرير، انتصاراً للمنظمة الدولية كما هو انتصار لقضية شعبنا. وإن ذلك يشكل مؤشراً جديداً على أن هيئة الأمم اليوم ليست هيئة الأمم أمس، ذلك لأن عالم اليوم ليس هو عالم الأمس”.
وتطرَّق أبو عمار إلى قضايا التحرر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وكلها تتعلق بقضايا السلم والعدل والحرية والاستقلال والخلاص من أشكال الاستعمار والعنصرية كافة وأهمها الصهيونية.
“ما زالت شعوبٌ كثيرة، من بينها زمبابوي وناميبيا وجنوب إفريقيا وفلسطين، تعاني من وطأة العدوان والقهر والبطش. وتشهد تلك المناطق من العالم صراعاً مسلّحاً فرضته قوى التمييز العنصري ظلماً وإرهاباً. فاضطرت الشعوب المضطهدة إلى التصدي له، وكان تصديها عادلاً ومشروعاً”.
وتحدث أبو عمار في كلمته عن كمبوديا وفيتنام والمسألة القبرصيّة لما تشكل من هموم لشعوب الشرق الأوسط والعالم، ودعا إلى حل عادل للمشكلة يجنّب الشعب القبرصي أهوال الحرب ويحفظ استقلاله، ما يريح بلدان الشرق الأوسط – البحر الأبيض المتوسط.
وأنهى أبو عمار كلمته قائلاً:
“إلا أنني كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية وكقائد للثورة الفلسطينية أعلن هنا أننا لا نريد إراقة نقطة دم يهودية أو عربية… ولا نستعذب القتال دقيقة واحدة إذا حل السلام العادل المبني على حقوق شعبنا وتطلعاته وأمانيه.
إنني كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية وكقائد للثورة الفلسطينية أتوجه إليكم أن تقفوا مع نضال شعبنا من أجل تطبيق حقه في تقرير مصيره، هذا الحق الذي كرّسه ميثاق منظمتكم وأقرّته جمعيتكم الموقرّة في مناسبات عديدة.. وإنني أتوجه إليكم أيضاً أن تمكّنوا شعبنا من العودة من منفاه الإجباري الذي دُفِع إليه تحت حراب البنادق وبالعسف والظلم ليعيش في وطنه ودياره وتحت ظلال أشجاره حرّاً سيداً متمتعاً بحقوقه القومية كافة ليشارك في ركب الحضارة البشرية وفي مجالات الإبداع الإنساني بكل ما فيه من إمكانات وطاقات وليحمي قدسه الحبيبة كما فعل دائماً عبر التاريخ ويجعلها قبلة حرّة لجميع الأديان بعيداً عن الإرهاب والقهر.
كما أتوجه إليكم بأن تمكنوا شعبنا من إقامة سلطته الوطنية المستقلة وتأسيس كيانه الوطني على أرضه.
لقد جئتكم يا سيادة الرئيس بغصن الزيتون مع بندقية ثائر.. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”.
وآخر كلماته كانت: “الحرب تندلع من فلسطين والسلام يبدأ من فلسطين”.
منذ العام 1948، ومع إعلان قيام الكيان الصهيوني، حظيت فكرة إنشاء دولة إسرائيل بدعم العديد من دول العالم، وذلك على اعتبارها تجسيداً لـ “حقوق الاسرائيليين القومية”. وعلى هذا الأساس، ظهرت نظريات فكرية، ركزت خصوصاً على ما يُعرف بـ “التناقضات الداخلية” و”القومية الاسرائيلية” أو “الصهيونية”. وقد تجلّت هذه النظريات في التحليلات السياسية اليومية، التي استخدمت مصطلحات مثل “الطغمة العسكرية الاسرائيلية” و”العدوان الاسرائيلي” و”الرغبة التوسعية الاسرائيلية” وغيرها. وتنطلق جميع هذه المصطلحات، كما هو واضح، من الاعتراف بوجود كيان يُسمى “إسرائيل”.
وقد ساعد على استمرار رواج هذه النظريات غياب دور فلسطيني فاعل ومتميز في النضال ضد هذا الكيان أو مقاومته، ما سمح للصهاينة بتصوير صراعات المنطقة على أنها صراع “عربي-إسرائيلي” من دون الإشارة إلى فلسطين أو قضيتها.
بينما يتمّ توصيف الصراع على أنه عربي من جهة وصهيوني من جهة أخرى، فإنّ إغفال ذكر فلسطين كان يهدف إلى ترسيخ الكيان الصهيوني كطرف أصيل في هذا الصراع، تماماً كما لو كان صراعاً “عربياً-أميركياً” أو “جزائرياً-فرنسياً”. وبخلاف هذه الصراعات، لا يكون الهدف النهائي منها هو القضاء على أحد الطرفين، مهما تغيّرت موازين القوى بينهما.
إن تصوير “إسرائيل” على أنها مجتمع وظاهرة تاريخية لها قوانين حركتها وأن لها ماضياً ومستقبلاً يؤدي إلى أن إسرائيل أمة على طريق التكوين أو أنها مجتمع يهودي قومي يؤدي إلى التسليم بهذا الكيان المصطنع.
إن استمرار الشعب الفلسطيني في نضاله أثمر سؤالاً ملحاً أمام الجميع في العالم اليوم، من الذي يحتل موقعاً أصيلاً في التاريخ، فلسطين أم الكيان الصهيوني المسمى إسرائيل؟
في النهاية هناك سؤال ملح لحركة “حماس”، في حال اهتم كوادرها ومسؤولوها بما قاله أبو عمار يوماً: هل الصراع الآن بين “حماس” وإسرائيل؟ وأين فلسطين من كل هذا؟


