سنة لبنان… الدور والواقع والتحديات (١) الديموغرافيا المجتمعية

زياد سامي عيتاني

تعيش الطائفة السنية في لبنان حالة من الضبابية، لا بل السوداوية والضياع إزاء واقعها السياسي المتراجع محلياً وعلى صعيد المنطقة، جراء التحولات والمتغيرات الجذرية في كلٍّ من العراق وسوريا تحديداً، وإنعكاس تردداتها على الداخل اللبناني، (من دون إسقاط المسؤوليات الجسام التي يتحملها زعماؤها ومرجعياتها في ما آلت إليه أوضاعها)، والشعور العام المخيّم على بيئتها بالمظلومية والإحباط، وحتى الإلغاء السياسي! إذ لم يسبق للمسلمين السنّة في لبنان أن وجدوا أنفسهم في محنة سياسية كالمحنة الحقيقية التي يجدون أنفسهم فيها اليوم.

وهذا الاستهداف الممنهج والمنظم لتحجيم الدور المحوري المركزي لسنّة لبنان، هو خطوة تمهيدية لا بد منها، لتنفيذ جميع فصول مشروع نسف وتغيير هوية لبنان الوطن والكيان والرسالة وصيغته ووظيفته. فالطائفة السنّية في لبنان ببعدها الوطني الملتزم بالميثاقية-التعايشية، وإنتمائها العربي المتنور والمنفتح، منذ تأسيس دولة لبنان الكبير سنة ١٩٢٠، شكلت نقطة الإرتكاز وحجر الزاوية في قيام الجمهورية اللبنانية. فقد آمن السنة اللبنانيون بالدولة ومشروعها، مقابل العصبيات الطائفية والجهوية، ولعبوا دوراً بارزاً بغطاء وطني جامع، لجهة ترسيخ علاقاته وتوطيدها مع الدول العربية، على قاعدة المحافظة على إستقلاله وخصائصه التعددية.

موقع “لبنان الكبير” يفتح ملف “السنة في لبنان”، عبر سلسلة أجزاء، تحاكي دورهم التاريخي، وواقعهم والتحديات التي تواجههم. في الجزء الأول من هذه السلسلة، سوف نتناول البنية الاجتماعية للسنة، ودورهم المؤسس للبنان الكبير، بحيث أن أهل السنة في لبنان من الطوائف الرئيسية، ويتوزعون على معظم محافظاته، ويشكلون نسبة كبيرة من تعداده، ولعبوا دوراً مؤثراً على مسرح أحداثه.

  • الديموغرافية السنية: من المعروف أن أول وآخر إحصاء رسمي لسكان لبنان أجري في العام 1932، ولم تُجرَ بعده أي إحصاءات رسمية، وذلك بسبب الضغوط المسيحية، خوفاً من أن يؤدي ذلك، الى مطالبة المسلمين بإنتزاع بعض من الامتيازات التي منحت لهم، منذ إعلان الانتداب الفرنسي عن قيام “دولة لبنان الكبير” عام 1920. وخلص إحصاء عام 1932 إلى أن عدد اللبنانيين قد بلغ 1,046,164 نسمة، وقدرت نسبة المسلمين بـ 40% منهم 178,100 سني في مقابل 155,035 شيعياً، لكن اعتراضات كثيرة أثيرت حول هذا الاحصاء الذي وُصف بأنه “مُسيَّس” لصالح المسيحيين.

منذ ذلك الحين، برز توجه واضح لمنح الجنسية اللبنانية الى مقدمي طلبات التجنيس من المسيحيين على حساب المسلمين، بحيث كان معظم مقدمي الطلبات المسيحيين إما من المغتربين أو اللاجئين ممن وفدوا إلى لبنان منذ فترة وجيزة سابقة كالأرمن والسريان والكلدان، فيما الكثير من مقدمي الطلبات من المسلمين القاطنون في المناطق الحدودية والوافدون مثل الأكراد لم يشملهم الإحصاء، ولم يعطوا الجنسية اللبنانية، وعرفوا باسم “مكتومي القيد”، أو أن هُويتهم “قيد الدرس”.

إلا أن دراسات وإحصاءات عديدة (غير رسمية) أجرتها مؤسسات محلية ودولية حول إحصاء عدد سكان لبنان الإجمالي وتعداد طوائفه، كان آخرها الدراسة الأحصائية التي أعدتها “الشركة الدولية للمعلومات” عام 2019، وأشارت فيها إلى أن تعداد اللبنانيين قد بلغ 5.5 ملايين نسمة في نهاية العام 2018، بحيث رصدت ارتفاعاً ملحوظاً لنسبة المسلمين التي بلغت 69.4%، في مقابل انخفاض نسبة المسيحيين إلى 30.6%. وقبلغ تعداد السنة وفق هذا الإحصاء 1,527,548 نسمة (31.3% من إجمالي السكان) في مقابل 1,743,718 نسمة للشيعة (31.6% من إجمالي السكان). أما بالاستناد إلى لوائح الشطب لعام 2018، فيبلغ عدد المسيحيين 1.361.546 ناخباً، وعدد المسلمين 2.584.993 ناخباً، يتوزعون مذهبياً على النحو الآتي: نسبة الناخبين الموارنة 18.75 %، يليهم الأرثوذكس 6.63 %، ومن ثم الكاثوليك 4.45 %. اما لدى المسلمين فيشكل السنة 29.66 %، والشيعة 29.13%، والدروز 5.49%، والعلويون 0.88%.

إذاً، يشكل أهل السنّة في لبنان نحو ثلث السكان، وينتشرون على كامل التراب اللبناني من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ما يعطيهم ميزات عدة، لكنه يحرمهم من التمتع بالقدرة على تشكيل عصبية أهلية على غرار بقية الطوائف، كما أن التنوع الاجتماعي بين أهالي مدن وسكان أرياف، عمّق الانقسام في صفوف الطائفة السنيّة وبالتالي ساهم في منع بروز زعامة شاملة لها، باستثناء الظاهرة الاستثنائية التي تمثلت في الحالة التي شكلها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعقب إغتياله نجله الرئيس سعد الحريري.

يتبع: الدور التأسيسي لكيانية لبنان وميثاقيته

شارك المقال