لم تعد الأمور في لبنان تحت السيطرة، لا في الملف الرئاسي ولا في الجنوب، إذ يبدو في الأول أن الموضوع خرج من يد الجميع ولم يعد أحد قادراً على إيجاد مخارج وحلول له حتى لو كان “الخماسية”. والثاني، مع أن الحزب يمسك الأرض ويرد على العدو الاسرائيلي بالمثل وربما أكثر ولا يترك جبهته الشمالية هادئة، إلا أن الأمر هنا يمكن أن يتفلت وهذا ما يتخوف منه كثيرون.
في وضع مأزوم كهذا من الطبيعي ألا تتوقف محاولات المساعي من كل الأطراف، الخارجية طبعاً، والتي يتطرق معظمها الى إيجاد الحل في الملف الرئاسي وأخرى في ملف الجنوب الذي يربط “حزب الله” الهدوء فيه بالتهدئة أو حتى بوقف إطلاق نار دائم في غزة.
في الرئاسة المبادرات كثيرة والنتيجة واحدة، مكانك راوح، فلا كتلة “الاعتدال” نجحت في إحداث خرق على الرغم من تأكيدها أن المبادرة مستمرة حتى الوصول إلى مساحات مشتركة وإنضاج توافق ينهي الشغور، كما أن الحوار والتشاور بين كل الأطراف باتا في ظل الانسداد الحاصل حاجة ماسة وملحة وهذا ما تعمل الكتلة على ترتيبه بدعم ومباركة من “الخماسية”، لتأتي مبادرة “الاشتراكي” و”اللقاء الديموقراطي” للأسباب نفسها ولكن من باب الرئيس نبيه بري، بحيث أن حركتهم انطلقت وبحسب مصدر موثوق، من نتائج زيارة الموفد الفرنسي جان ايف لودريان وما سمعه من الرئيس بري عن استعداده للذهاب الى عقد جلسات مفتوحة بعد حوار لسبعة أيام في حال لم يتم الاتفاق على رئيس.
وهدف “الاشتراكي” كان إقناع القوى كافة بالمشاركة في الحوار الذي ستليه جلسات مفتوحة، لأنهم رأوا في خطوة بري فرصة لانتخاب رئيس، لكن وبعد الجولات التي قاموا بها، وجدوا أن البعض رافض للحوار بصورة قاطعة، وعلى الرغم من أن الأمور تراوح مكانها إلا أنهم أيضاً لن يستسلموا وستبقى محاولاتهم مستمرة. إلى أن وصلنا اليوم الى مبادرة حضّر لها جبران باسيل من بكركي، لكن مصادر من دائرته الضيقة تقول إنها ليست مبادرة أو ورقة ستقدم من “التيار الوطني الحر”، بل تشاور على غرار ما سبق أن قمنا به مع الرئيس بري، وما يهمنا هو انتخاب رئيس للجمهورية من خلال التشاور، بعدما رفض البعض الحوار. صحيح أنه لن يكون هناك أي تضارب بين كل المبادرات ولن تقطع أي مبادرة الطريق على الأخرى، لكن كل هذه الطروح مع كثرتها ما هي الا محاولات لكسر الجمود الحاصل على خط الرئاسة.
وما بين الرئاسة والجنوب خط لم يعد رفيعاً، بل يزداد ليصبح ضخماً وغليظاً لدرجة الاقتناع بأن الحل في الجنوب سيأتي برئيس وليس العكس.
لا شك في أن وتيرة الاشتباكات ترتفع يوماً بعد يوم بين الحزب والعدو، وهذا ما يترافق مع التهديدات الاسرائيلية التي تنذر بتوسيع الحرب بالتوازي مع مفاوضات يجريها الأميركي عبر آموس هوكشتاين، والتي لم تسفر عن أي نتيجة حتى الآن، خصوصاً وأن شروط رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بتراجع الحزب ٨ كيلومترات لا يمكن أن يقبلها الأخير، حتى الحديث عن محاولة التفاوض بشأن الجبهة الجنوبية بمعزل عن غزة مرفوض لدى الحزب، والحديث الدائر عن طرح الفصل سيُمنى بالفشل لعدة أسباب أهمها موقف الحزب المتمسك بجبهة لبنان كجبهة إسناد كما وأن تحقيق الشروط الاسرائيلية مستحيل.
في الرئاسة كما في الجنوب، الطباخون كثر ولم ولن تنضج الطبخة داخلياً ولو حضرت مئة مبادرة، ولم ولن ينهي الحرب لا رأي مؤيد لها ولا رأي معارض، بحيث بات من الواضح أن الحل سيكون بقرار كبير تنهيه تسوية ناتجة عن مفاوضات سعودية-إيرانية مباشرة وأميركية-إيرانية غير مباشرة، لن يكون لبنان وحده من ضمنها، بل كل دول المنطقة والجوار وهذا ما بدأنا نسمع به وعن بوادره بين سوريا وتركيا، وللموضوع تتمة كبيرة لا نعرف الى أين ستوصلنا!


