أخفقت أميركا فكافأني رئيس التحرير

عبد المنعم مصطفى

طقوس اعتدت تكرارها لدى الذهاب الى العمل في دورة الصباح الباكر يوم الجمعة، في قسم الترجمة بوكالة “أنباء الشرق الأوسط”، أواخر سبعينيات القرن الماضي. يبدأ اليوم عادة بحجز مقعد أثير بجوار النافذة، في حافلة تقلني من شبرا حتى محطة الأميركين، على ناصية شارع سليمان باشا.

وتستمر الطقوس عادة بحجز طاولة عند الناصية أمام بائع الجرائد الوحيد في الموقع، الذي يسارع الى تزويدي بما اعتدت الاطلاع عليه من بعض الصحف الأجنبية المتاحة آنذاك، بينما يسارع ماسح الأحذية الى خلع نعلي ووضع كرتونة تحت قدمي، ينصرف بعدها الى ركن قصي يعكف فيه على تلميع حذائي باجتهاد وأمانة، افتقدتها كثيراً لدى سواه، بينما يقف النادل النوبي بثوبه الأبيض الناصع يتوسطه حزام أحمر، وقد اعتمر طربوشاً تركياً أثيراً، ليسألني عما قد أطلبه.

كان النادل النوبي يعرف سلفاً ما أطلبه، وما اعتاد أن يقدمه لي من افطار صباح كل جمعة: توست الزبد والجبن الرومي، وعصير الموسم الذي يتبدل بين المانغو صيفاً والبرتقال شتاء.

أتناول إفطاري فيما أطالع ما أتيح لي من صحف، يتلقى بائعها بقشيشاً رمزياً، مقابل استعارتها لدقائق لا تتجاوز الثلاثين دقيقة بأي حال، وما ان يعود ماسح الأحذية ليضع قدمي داخل حذاء يلمع ببريق ورنيشه حتى أنهض للمغادرة، متأبطاً أوراقي التي لا تخلو أبداً من كتاب جديد، أتصفحه عادة، في دقائق الفراغ بين مهمة ترجمة أنجزتها، وأخرى أتلقاها لإنجازها.

لم تكن تكلفة هذا الإفطار الصباحي مع البقشيش ومطالعة الصحف وتلميع الحذاء تتجاوز الثلاثين قرشاً، أنطلق بعدها الى مبنى الإذاعة القديم بشارع الشريفين حيث مقر وكالة “أنباء الشرق الاوسط”، هذا المبنى الذي حلمت في طفولتي بالعمل فيه.

في الطريق، أمر ببعض محال شارع سليمان باشا، ثم شارع عبد الخالق ثروت، فشارع الشواربي، ومنه الى شارع قصر النيل، الذي يتفرع منه شارع الشريفين. لا تخلو “فترينات” المحال المغلقة من عناصر اثارة، أتسلى بها، رافعاً رأسي بين وقت وآخر لأطالع أفيشات سينما “مترو”، ودار سينما “ميامي”.

بدأ يوم الجمعة ٢٤ نيسان (أبريل) ١٩٨٠، مثل سائر أيام الجمعة بإفطار في الأميركين، كما اعتدت أن أفعل، غادرت بعدها مستمتعاً بنسيم صباح قاهري لم يكن التلوث البيئي والسمعي والبصري قد عرف طريقه اليه، وما ان وضعت أوراقي على الديسك في صالة التحرير، حتى فاجأتني الزميلة عفاف عبداللطيف رئيسة الدورة الصباحية، بخبر فشل محاولة أميركية لإنقاذ رهائن السفارة الأمير كية في طهران (٥٢ رهينة احتجزهم شباب الثوار الايرانيين الموالين للخميني).

سارعت الى الاتصال بالأستاذ أنيس منصور، الذي اعتاد هو أيضاً الاستيقاظ مبكراً، لأبلغه بالخبر. كانت الساعة حوالي الثامنة صباحاً، سألني: أين أنت الاَن؟ أجبته بانني في وكالة “أنباء الشرق الأوسط”. قال: حسناً خليك عندك تابع الحدث وأبلغني بتطوراته وسأكون بانتظارك في مكتبي بالمجلة، ولا تغادر حتى ينجلي المشهد تماماً.

أمضيت يومي كله في صالة التحرير أتابع عبر خدمة التيكرز تطورات العملية برمتها، وحين انجلى غبارها، غادرت الوكالة الى مجلة “أكتوبر” على نيل القاهرة، حوالي السابعة مساء، لأجد الأستاذ أنيس منصور منتظراً في مكتبه. فتحت الباب مستأذناً في الدخول، كان يجلس وسط ضوء خافت، نظر الي وقد بدا مندهشاً، وقال كلمة واحدة: صاروخ! لم أفهم ما يقصده. أردف قائلاً: صاروخ سوفياتي أصاب طائرات أميركا التي شاركت في العملية. بدا أنني لا أفهم ما يقوله، كنت قد وقفت في منتصف الغرفة، اقتربت من مقعد أمام مكتبه، وقلت له: لا توجد إشارات الى تدخل سوفياتي لإجهاض العملية، لكن المروحيات الأميركية، لأسباب ما تزال مجهولة، حطت مثل بط ثقيل الوزن فوق رمال صحراء بطس الايرانية، وأخفقت في الإقلاع مجدداً.

كنت أحمل معي قصاصات من برقيات وكالات الأنباء العالمية، بسطتها أمامه، لم يهتم بمطالعتها كما ينبغي، لكنه سألني: ما رأيك أنت؟ ثم أضاف قبل أن يستمع الى رأيي: ماذا تقترح؟

كانت المجلة قد أرسلت بالفعل الى مطابع “دار المعارف”، كالمعتاد مساء الجمعة من كل أسبوع، وكانت تظهر في الأسواق السبت أسبوعياً قبل يوم واحد من موعد صدورها الرسمي الأحد من كل أسبوع. قلت له: أقترح تغطية موسعة للحدث. قال: حسناً، أمامك بضع ساعات لإنجازها، ماذا تحتاج من فريق للعمل معك هذه الليلة؟ قلت: أحتاج الى عنصر أو اثنين للترجمة، وواحد للاستماع، وثالث محرر عسكري لمتابعة ما قيل وقتها عن انطلاق طائرات أميركية مشاركة من قاعدة غرب القاهرة الجوية. قال لي: حسناً اختر المتاح من الزملاء.

شكلت فريق العمل، وفيه على ما أذكر، الزميلان حسين محمود ومجدي عبد المجيد اللذان قاما ببعض الترجمة والاستماع. وبحلول الساعة الثانية صباحاً، كنا قد انتهينا من اعداد أربع صفحات، شملت تغطية موسعة للحدث وتطوراته، بالاضافة الى بعض الصور.

دفعت المواد الى المطبعة، وطلبت سيارة خاصة تعيد أعضاء فريق العمل، كل الى منزله. ألقيت بجسدي المنهك في الفراش بعد يوم عمل طويل جداً.

كان السبت، هو يوم عطلة العاملين بالمجلة، وفي صباح الأحد اجتمع محررو المجلة بالأستاذ انيس منصور، الذي استهل الاجتماع بالحديث عن إنجاز حققته لأول مرة مجلة أسبوعية، استطاعت التفوق على الصحف اليومية، التي لم تتمكن على مدى يومي السبت والأحد من التفوق “خبرياً” علينا. ثم نادى علي قائلاً: قف يا عبد المنعم لو سمحت. وقفت، فأشار الي قائلاً: هذا الرجل وراء ما أنجزناه، فلأول مرة تتفوق مجلة أسبوعية على الصحف اليومية في الملاحقة الخبرية لحدث على هذا المستوى.

وعند انتهاء الاجتماع طلب مني الأستاذ أنيس منصور أن ألحق به الى مكتبه، وهناك انحنى ليكتب بخط غير مقروء: “ادفعوا مبلغ ٢٥ جنيهاً على سبيل المكافاة”، وقدمها لي مشيراً بيده الى الطابق الأعلى حيث الادارة المالية.

صرفت أول أعز مكافآتي منذ التحقت بالصحافة، ورحت أحتفل بدعوة زملائي الى مشاهدة فيلم فاتن حمامة “حكاية وراء كل باب” الذي كانت تعرضه دار سينما “مترو”.

شارك المقال