هل يُمدد سنّ التقاعد؟

جوان مصطفى
سن التقاعد

مع إستمرار غياب قرار بتصحيح الأجور والرواتب في القطاع العام، على الرغم من الاجتماعات المتكررة في السراي الحكومي بهدف وضع خطة تَعافٍ لرواتب موظفي الدولة، والتي يبدو أنها تدور في حلقة مفرغة، إضافة الى عدم القدرة على التوظيف في ظل الأزمة السياسية وعلى إنجاز أي إستحقاق، ظهر إقتراح قانون يقضي برفع سن التقاعد لموظفي القطاع العام المدنيين. فهل يشكّل هذا الاقتراح حلاًّ مؤقتاً لمؤسسات القطاع العام شبه المشلولة؟ وما موقف الموظفين من إقتراح كهذا؟

إقتراح القانون الذي تقّدم به عضو كتلة “اللقاء الديموقراطي” النائب بلال عبدالله، والذي من المفترض أن يُعمل به خمس سنوات من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، تضمن تعديل الفقرة 1 من المادة 68 من نظام الموظفين لتصبح على الشكل الآتي:

يحال حكماً على التقاعد أو يصرف من الخدمة كل موظف في الادارات العامة والمؤسسات العامة، أكمل السادسة والستين من عمره اذا كان من موظفي احدى الفئتين الخامسة أو الرابعة.

يحال حكماً على التقاعد أو يصرف من الخدمة كل موظف في الادارات العامة والمؤسسات العامة، أكمل الثامنة والستين من عمره اذا كان من موظفي الفئة الأولى أو الثانية أو الثالثة.

على أنه يحق للموظف أن يطلب إحالته على التقاعد عند بلوغه سن الرابعة والستين مكتملة.

لا يستفيد من أحكام هذه الفقرة ويحال حكماً على التقاعد فور إتمامه سن الرابعة والستين، الموظفون الذين فرضت عليهم العقوبة الثالثة من الدرجة الثانية (إنزال درجة واحدة أو أكثر ضمن الرتبة نفسها) المنصوص عنها في المادة 55 من المرسوم الاشتراعي رقم 112 الصادر بتاريخ 12 حزيران 1959 وما فوق.

وبحسب أرقام “الدولية للمعلومات” يصل عدد موظفي القطاع العام من دون الجيش وقوى الأمن إلى 110000 موظف، ينقسمون كالآتي: فئة أولى وثانية حوالي 700، فئة ثالثة 6000 والباقي بين الفئتين الرابعة والخامسة اما عدد المتقاعدين سنوياً فيصل الى حدود 12000 موظف.

وفر مالي على خزينة الدولة

أما عن الأسباب الموجبة لتمديد سن التقاعد للموظفين، فأشار الاقتراح إلى أن الوظائف القيادية العليا في الهرم الاداري تتطلب بالاضافة إلى المؤهلات العلمية، خبرة واسعة تزداد مع الزمن، وأن بعض الدول يحدد الحد الأعلى للسن بشكل متفاوت بين فئات الموظفين. بينما في لبنان، تم تحديد سن التقاعد للموظفين المدنيين عند 64 عاماً، وللقضاة عند 68 عاماً، وللعسكريين يختلف باختلاف الرتب. كما يُسمح للقضاة المنتدبين بالعمل كمديرين عامين حتى سن 68، بينما الموظفون الإداريون يُحالون على التقاعد عند 64، الأمر الذي يتناقض مع مبدأي العدالة والمساواة. والهدف من تعديل سن التقاعد هو الاستفادة من خبرة الموظفين في الفئات القيادية، مع استثناء الذين فُرضت عليهم عقوبات معينة.

كما من شأن هذا التعديل أن يؤمن وفراً مالياً على خزينة الدولة، خصوصاً في الأوضاع المالية الصعبة، ويساعد في معالجة الشغور الكبير في الادارات العامة بسبب وقف التوظيف وصعوبة التعيينات الحالية.

وفي حديث لموقع “لبنان الكبير” أوضح النائب بلال عبد الله أنّ الادارات العامة، في ظل غياب التوظيف نهائياً، بحاجة الى التمديد للموظفين أصحاب الخبرة، وإن كان بصورة مؤقتة الى حين إنتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة، تصدر قراراً بضخ دماء جديدة في الادارات.

وأضاف: “إقتراح القانون يتضمن التمديد في الفئات الأولى، الثانية والثالثة لمدة أربع سنوات، مقابل سنتين للفئة الرابعة والخامسة، ولكن من المحتمل عند بدء النقاشات في اللجان أن تصبح مدة التمديد متساوية لجميع الفئات بواقع سنتين”. وأشار إلى المسؤولية التي تقع على عاتق اللجان لمناقشة الاقتراح بصورة “جدّية”، لكي لا يستمر الشغور في مختلف مستويات الادارة العامّة.

وفي السياق نفسه، تحدث رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر لموقع “لبنان الكبير” عن التآكل في الادارة العامة لغياب التوظيف نتيجة قرار الحكومة في ٢٠٠٤ بمنعه، على عكس الادارة التربوية التي تشهد فائضاً في موظفيها.

ولفت إلى أن فتح باب التوظيف هو المطلب الأوّل للاتحاد العالمي، ولكن في ظل غياب القرار، فإن التمديد المؤقت هو الحل الأنسب، خصوصاً أن القانون، في حال إقراره، ليس إلزامياً، وبالتالي سيكون للموظف حين يبلغ سن التقاعد حرية الاختيار في التمديد من عدمه، ولكن في الوقت الحاضر وفي ظل التجاذبات السياسية في البلد، من الممكن أن يأخذ النقاش حول القانون وقتاً طويلاً، خصوصاً وأن مجلس النواب لم يجتمع إلا مرة واحدة تحت عنوان “تشريع الضرورة” للتمديد لقائد الجيش العماد جوزيف عون. وأشاد بجهود النائب عبد الله الداعمة للقوة العمّالية، وتواصله الدائم مع الإتحاد العمالي العام.

واعتبرت الرئيسة السابقة لرابطة موظفي الادارة العامة نوال نصر أن اقتراح قانون التمديد “سيف ذو حدّين”، فهذا يعني أن قرار هدم التوظيف مستمر وبالتالي لن تتمكن الإدارات العامة من الحصول على موظفين جدد و”دم جديد” أصحاب قدرات وكفاءات عالية، ولكن في المقابل يبقى التمديد الخيار الأقل سوءاً خصوصاً للموظف في الفئات الدنيا، من الخروج من الإدارة العامة بتعويضات صرف تبدأ من 300 و400 دولار لقاء ثلاثين أو أربعين سنة خدمة في الادارة.

ورأت أن التمديد لهذه الفئات مبرر أكثر منه للفئات العليا لا سيما الفئتان الأولى والثانية اللتان تتوجب فيهما إصلاحات جوهرية قبل أي تمديد، خصوصاً لجهة ضرورة إنهاء حالتين أوصلتا الإدارة العامة مع أسباب أخرى إلى الواقع المزري الراهن، وهما: التكليف غير القانوني في وظائف الفئة الثانية والمحاصصات من خارج الملاك في وظائف الفئة الأولى.

ويبقى الاصلاح الشامل، وإعادة قيمة التعويضات كاملة لأصحاب الحقوق، هو العلاج بدلاً من المسكنات، فالتمديد بأحسن حالاته هو تمديد للسخرة مقابل محافظة الموظف على بعض رمق، بحسب نصر.

إذاً يبدو أن مسلسل تسلم المناصب بالإنابة والتمديد مستمر مع طبقة سياسية غير قادرة على تنفيذ استحقاقات تعيد الأمور إلى نصابها، بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية وصولاً إلى محاولة إنقاذ الادارة العامة التي باتت قاب قوسين من الانهيار.

شارك المقال