غزة وحولها الداعمون

لينا دوغان

إنها حرب الحظوظ الصفرية، أو الحرب الطويلة التي لن تشتعل، لكنها على الرغم من ذلك كانت مدمرة وآثارها كبيرة لنشهد على خراب غير مسبوق وغير موصوف تعادله في المشهدية نفسها غزة الصغيرة وهي الجنوب اللبناني، ونستطيع القول إننا بتنا بعد ٩ أشهر من هذه الحرب القاسية نقف على أطلال غزة وعلى أطلال أجزاء واسعة من قرى الجنوب.

هذه الحرب التي تارة تشعرنا أنها قاب قوسين أو أدنى من الانفجار الكبير، تأخذنا أيضاً معها في جولات تفاوض تجعلنا ندرك من خلالها أننا دنونا من الحل، وبين هذا وذاك تتصاعد حماوة الهجمات وضراوتها من الجانبين، كلما اقتربت طبخة التفاوض من خواتيمها حتى يقوي كل طرف حظوظه ومكاسبه المرجوة.

لكن مما لا شك فيه أن حرب غزة جمعت حولها الكثير من المؤيدين كما حرّكت مشاعر مجتمعات وشعوب كانت فلسطين بالنسبة اليها غير موجودة أصلاً على الخريطة لا الجغرافية ولا حتى الانسانية، ليلتقي معها مؤيدون أو معارضون لـ “حماس” و”حزب الله”، فقط لأن إسرائيل أظهرت إجرامها المعهود، لكن شرها فيه كان مطلقاً هذه المرة.

فمن مظاهرات طلابية في كل بلدان العالم خصوصاً تلك الداعمة لإسرائيل، إضافة الى فكرة وحدة الساحات والاسناد في أكثر من دولة وتحديداً لبنان الذي تحرك فيه “حزب الله” على الحدود الشمالية لإشغال إسرائيل ومساعدة غزة، عندها رأينا أكثر من طرف على رأسهم “الجماعة الاسلامية”، التي ترى بحسب مصدر مقرب منها أن مشاركتها في مقاومة العدو الصهيوني تأتي في السياق الطبيعي للدفاع عن أرضنا وشعبنا الذي يتعرّض الى الاعتداءات الإسرائيلية بصورة يومية، مع غياب الاستراتيجية الدفاعية التي طالبت بها “الجماعة” منذ العام ٢٠٠٦، وفي ظل انحياز المجتمع الدولي الى الكيان الصهيوني وعدم ردعه عن انتهاك القوانين والاتفاقات الدولية، ومع عدو يجاهر بأن خريطة اسرائيل الكبرى كما يزعم تشمل لبنان، وبالتالي رأت “الجماعة” أن من واجبها المشاركة في إشعار العدو الصهيوني أن مغامراته في الأرض اللبنانية لن تكون من دون ثمن، لكن الكل يعلم أن “الجماعة” ليست من خط “حزب الله” في كثير من المواضيع، لكنها تعتبر أن ما نمر به هو بالنسبة اليها مفترق حتى لو اتفقت في ملفات واختلفت في أخرى، فالمعركة المفتوحة مع العدو تقتضي تضافر جهود جميع اللبنانيين، وبالتالي هم اليوم متفقون مع “حزب الله” على وجوب الدفاع عن الأرض اللبنانية، وما زالوا مختلفين معه في عدد من الملفات السياسية اللبنانية.

وفي إقرار واضح تقول “الجماعة الاسلامية” ان لبنان ليس جاهزاً للحرب ولا يريدها ومن هنا كان الالتزام بقواعد الاشتباك في عمليات الرد على العدو لإرباكه من دون إعطائه ذريعة لتوسيع اعتداءاته نحو الحرب الشاملة وللضغط عليه للوصول الى تسوية ملائمة للبنان، من هنا يأتي تفسيرهم إذا صح التعبير لإخوانهم في المواطنة لشرح وجهة نظرهم القائلة إنه لا وجود في لبنان لبطل وخائن، بل الجميع حريص على سيادة لبنان وأمنه بالطريقة التي يعتقد أنها أجدى، كما ترى أن مقاربة هذا الموضوع لا ينبغي أن يكون على خلفية طائفية وإنما على أساس وطني.

هناك وجهتا نظر لطريقة التعامل مع اعتداءات العدو الاسرائيلي، الأولى ترى أن الحل بالتزام الاتفاقات الدولية والسعي عبر الأطر الديبلوماسية الى الحصول على غطاء دولي يجنّب لبنان تداعيات الحرب الشاملة عليه ووجهة نظر أخرى تتبناها “الجماعة”، بأن المجتمع الدولي منحاز بالكامل الى الكيان الصهيوني وبالتالي يميل الى تحقيق مصلحته ومصالحه على حساب لبنان. لذا، لا بد من الضغط على المجتمع الدولي وعلى الكيان الصهيوني بنوع من عدم الاستقرار فيه من خلال العمليات المحكومة بقواعد الاشتباك التي لا تشكل ذريعة للحرب الشاملة، ما يدفع المجتمع الدولي الى موقف أكثر توازناً ويساعد الديبلوماسية اللبنانية على تحسين شروط أي إتفاق قادم.

هذا بين “الجماعة الاسلامية” و”حزب الله” على الحدود، أما بالنسبة الى الخلافات الداخلية فترى “الجماعة” أنها تستدعي حواراً وطنياً شاملاً يضع فيه كل فريق هواجسه على الطاولة سعياً الى إيجاد مخارج تنقذ البلد.

لم تكن المقاومة في لبنان يوماً حكراً على طرف دون آخر، لكن الأمور اتجهت لتأخذ طابعاً طائفياً ضيقاً يعمل لحساباتٍ خارجية على الأرض اللبنانية، وهذا ما يرفضه معظم اللبنانيين من بقية الطوائف وإن كانوا يتفقون على مبدأ أن إسرائيل عدو مخططها من الفرات إلى النيل، لكن في المقابل لم تعد تنطلي على أحد المخططات الأخرى التي تنطلق من عقر دار لبنان، فهل دور “الجماعة الاسلامية” في هذه المشاغلة هو فقط لإعطاء انطباع أن للسنة دوراً في محاربة إسرائيل وهو ما يريح “حزب الله” ووراءه إيران، ويعطيهما نفساً في وجه من يريدون إرسال الإشارات اليه، أم أن “الجماعة” تسعى الى الحصول على موطئ قدم لها في المستقبل يساعدها على التوسع بدل التموضع، خصوصاً أن البيئة السنية عبّرت في كثير من المواقف عن دعمها لغزة وأهلها ورفضها للإجرام الصهيوني والداعمين له، وهو ما يتماشى مع أفكارها.

ومع تقديرنا لما تقوم به وتقدمه من شهداء، فإن “حزب الله” هو اللاعب الأساس هنا ولن تستطيع لا “الجماعة” ولا غيرها استغلال أي موقف إلا بإرادته وتوقيعه وليس العكس.

شارك المقال