سنة لبنان… الدور والواقع والتحديات (5) رفيق الحريري باني لبنان الجديد

زياد سامي عيتاني

من الخطأ الاعتقاد، أن الدور الميثاقي والوطني، الذي إقترن به الأداء السياسي لكل المرجعيات والزعامات والقيادات السنية في لبنان، قد توقف عند إتفاق “الطائف”، الذي أتبع بمرحلة الانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم، معطوفة على رحلة البناء والنهوض وإستعادة الثقة الشاقة، التي أعادت لبنان الرسالة الحضارية إلى الخريطة العالمية، وذلك من خلال أهم حقبة من تاريخ لبنان الحديث، التي إقترنت بإسم الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فقد قدم رفيق الحريري من خارج نادي الرؤساء، ومن خارج الطبقة السياسية التقليدية، وكذلك من خارج أمراء الحرب وميليشياتها، بحيث سبقت سمعته مجيئه من خلال الجهود الجبارة والمضنية التي بذلها خلال مؤتمرات الحوار في كل من جنيف ولوزان، وأخيراً الطائف الذي أنتج وثيقة الوفاق الوطني، التي أنهت الحرب، وتحولت إلى دستور للجمهورية الثانية.

وعلى الرغم مما عرف به “الشيخ” رفيق الحريري من حضور وعلاقات وقدرات وتأثير وازن محلياً وخارجياً، فإنه لم يوظفها لمصلحة طائفته، كي تستقوي على بقية الطوائف، (مع ما تعرضت له خلال فترة الحرب)، إنما وظفها لمصلحة لبنان بكل مكوناته وشرائحه، لإيمانه الراسخ، بأن “لبنان قائم على التوافق”، و”عندما يكون لبنان قوياً، يكون كل اللبنانيين أقوياء بالتساوي”. وهذا التوجه الوطني في وقت كان لبنان يخرج من أخطر إنقسام طائفي ومذهبي، ترجم حرباً كارثية على مدى 15 عاماً، لاقى الإرتياح والطمأنة لدى مختلف الطوائف، على الرغم من الحملات التي كان يطلقها “المتضررون” من أنه يريد “أسلمة لبنان”.

وقدوم الحريري، كان ثمرة توافق دولي وإقليمي، تحديداً بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، عندما جمعتهما الرغبة المشتركة في تطبيق إتفاق الطائف، بعيد إنعقاد مؤتمر مدريد لحل الصراع العربي الاسرائيلي، على قاعدة ” الأرض مقابل السلام”، وكذلك عشية إنهيار الاتحاد السوفياتي، وسيادة نمط اقتصادي ليبرالي على المستوى العالمي. كان الحريري يدرك أنه سيسير في حقل من الألغام، بحكم ما آلت إليه الأوضاع اللبنانية بفعل تداعيات الحرب ونتائجها كأمر واقع، ما جعل لبنان محكوماً إقليمياً من سوريا (حافظ الأسد)، مع دور تنفيذي متناغم معها، ومكمل لها لرؤساء الميليشيات، الذين نزعوا بذلاتهم العسكرية، لكنهم لم يتمكنوا من إرتداء بذلات رجال الدولة.

كان رفيق الحريري ظاهرة إستثنائية غير مسبوقة في الحياة السياسية اللبنانية على الاطلاق، أطل على المسرح السياسي كرئيس للحكومة، وبحوزته مشروع وطني متكامل، عمل على تنفيذه لنقل لبنان من حالة الحرب إلى حالة السلم، وفقاً لما نص عليه “الطائف”، الذي كان أحد عرابيه ومهندسيه، بحيث شرع منذ وصوله إلى الرئاسة الثالثة في إطلاق أكبر ورشة سياسية وإقتصادية ومالية وإعمارية وإنمائية، لإعادة بناء الوطن وتأسيس الدولة اللذين مزقتهما الحرب العبثية المدمرة وأنهكتهما، واعادة لبنان إلى دوره الريادي في المنطقة على الصعد كافة، وإستعادة ثقة العالم به، موظفاً كل طاقاته وخبراته وعلاقاته وما يتمتع به من ثقة وتقدير عربي وعالمي، لتحقيق مشروعه الوطني الشامل، بهدف ترسيخ السلم الأهلي والوحدة الوطنية والإستقرار الاجتماعي والنهوض الاقتصادي، عبر محو كل آثار الحرب، ومعاودة إنتاج الدولة على أسس ومرتكزات حديثة ومتطورة، تواكب حركة العصر، حتى يستعيد لبنان تصنيفه كواحد من أكثر البلدان تقدماً في المنطقة.

كان الحريري يريد أن يكون لبنان مركزاً اقليمياً، من خلال إطلاق مشروعه العملاق، ليتولى خدمات مصرفية وجامعية وثقافية وصحية واعلامية وأعمال وساطة وتسوق وسياحة وتجارة، وذلك عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة وعصرنتها، بإنشاء الحكومة الالكترونية. لكنه، بعد شهرين على رئاسته الحكومة سنة 1992، أدرك مساوئ الحياة السياسية اللبنانية وفسادها المستشري، ولم يكن يملك خياراً آخر سوى التعامل مع أمراء الميليشيات الذين دخلوا الحكومة ومؤسسات الدولة بقوة تصعب مقاومتها.

بالنسبة الى المشروع الاقتصادي الطموح والواعد، فإنه كان يشكل خشية كبيرة للنظام في سوريا، إعتقاداً منه أن نجاحه سيجعل من دمشق ضاحية تابعة وهامشية لبيروت التي تبنى كمدينة للمستقبل. أما بالنسبة الى إطلاق الحكومة الالكترونية، فإنها أفشلت بالممارسة من الطبقة السياسية (حديثة النعمة) قبل أن يوضع قانونها، وذلك لتوظيف المحاسيب وجباية الخوات والسمسرات وإبرام الصفقات من خلالها، كبديل عن واردات “إقتصاد الحرب”. إلا أن الأمانة تقتضي الإقرار بموضوعية أن تنفيذ مشروع عملاق بهذا الحجم خلال فترة زمنية قياسية، وسط غابة “وحوش السياسة” المفترسين والإنتهازيين من فريق عمله، يكتنفه أخطاء وشوائب من مختلف الأحجام، ويترافق ذلك مع هدر وفساد وسمسرات ورشاوى وتلزيمات بالتراضي (وما هو أكثر من ذلك)! وعلى الرغم من قوة شخصية الحريري وحضوره المميز، فإنه لم يكن قادراً على وقفها أو منعها، لأنه في حال أقدم على ذلك، ستوضع أمامه المعوقات والصعوبات والعراقيل المفتعلة، من خلال الإبتزاز السياسي والمالي.

ومع ذلك، تمكن بإصراره وصلابته، وحنكته السياسية والتفاوضية والحوارية مع الفرقاء اللبنانيين ومع الراعي الاقليمي، من تنفيذ أجزاء (بالقدر الذي سمح به) من مشروعه الطموح والواعد، وبالتالي تمكن من نقل لبنان من مرحلة إلى مرحلة، وإعادته إلى الخريطة العالمية، بسرعة قياسية، أدهشت العالم وأذهلته، وجعلته قبلة للإستثمار بكل أوجهه، ومحط أنظار رجال الأعمال من مختلف المجالات والاختصاصات ومن دول العالم كافة، كذلك تمكن من التوصل الى تفاهم نيسان الذي لجم العدوانية الاسرائيلية تجاه المدنيين في جنوب لبنان، وشرعن عمل المقاومة وفقاً لقواعد محمية دولياً.

لكن الرئيس الشهيد أدرك أنّ محاولات تطويقه ومحاصرته قد استكملت عدتها من خلال تحكم النظام الأمني السوري اللبناني بكل مقدرات الدولة اللبنانية والحياة السياسية فيها، وذلك خوفاً وخشية من تعاظم دوره المحلي والاقليمي والدولي! فقرر الإنكفاء عن السلطة والتحضير لعودته إليها بإندفاعية جديدة، شعبية هذه المرة، بحيث خاض إنتخابات العام 2000، محققاً فوزاً كاسحاً، ما أعاده بقوة الشعب وثقته الى رئاسة الحكومة، لتبدأ مرحلة جديدة من الاستهداف السياسي له بأقذر وأسفه الأساليب والأشخاص، ما ولد لديه قناعة بأن تعافي لبنان لن يكون إلا بإستعادة سيادته.

يتبع: حرص الحريري على الدور المسيحي

شارك المقال