حكايتي مع جزيرة الوراق بدأت بعد هزيمة يونيو (حزيران) بأيام. كنت أهرب اليها من أحزاني ومن كآبة لانهائية تخيّم على سماء مصر كلها… خمسة قروش قيمة تأجير فلوكة أو قارب من ساحل روض الفرج كانت كافية لأمضي نحو ساعة فوق جزيرة لا أعرف إن كانت هي من يحتضن النيل أم أن النيل هو الذي يحتضنها.
لا أحد تقريباً فوق الجزيرة التي تمتد فوقها زراعات متنوعة أهمها بالنسبة لي كان البطيخ. كان قرش صاغ واحد يكفي لشراء بطيخة يزيد وزنها على 8 كيلوغرامات. وكان يكفيني وصديق الرحلة أن ندق البطيخة بقوة عند حافة القارب ليحصل كل منا على نصف بطيخة يضع رأسه داخلها ويرتشف من عسلها ورحيقها… فوق كل شبر مشيته فوق الجزيرة لا وجود الا للزراعات وكوخ قديم من القش يحتمي به مزارع عجوز من حرارة شمس يوليو (تموز).
بعد اثني عشر عاماً أمتعتنا فيروز بمجموعة أغنيات لحنها لها ابنها زياد الرحباني، كانت بينها أغنية “وحدن”، وأغنية “هدير البوسطة”. تلقيت الشريط هدية من قارئ قال لي انه يدرس الهندسة وسمع بشغفي بفيروز. هذا القارئ زارني لاحقاً في مكتبي بمجلة “أكتوبر” ليدعوني الى لقاء مع مجموعة من طلاب جامعة القاهرة يريدون مناقشتي حول بعض القضايا العامة بعد اتفاقية كامب ديفيد.
المفارقة أن هذا الشاب حدد جزيرة الوراق مكاناً للقاء حيث تمتلك أسرته عزبة كبيرة فيها.. وحدد يوم شم النسيم موعداً للقاء حتى تتاح لنا فرصة قضاء يوم في مكان يليق بشم النسيم.
قبلت الدعوة وجاء الشباب لاصطحابي في سيارتهم من المجلة على النيل الى منطقة اغاخان على نيل شبرا. ومن هناك حملنا قارب الى الجزيرة التي حملت أعز ذكرياتي.
بدا الأمر لي وكأنني أكتشف المكان لأول مرة، فالجزيرة التي طالما اعتقدت أنها خالية من البشر، كان بها بعض البشر.
جلست مع الشباب في منزل ريفي يعكس ثراء صاحبه كان مبنياً من الحجر وبدأنا نقاشاً معمقاً مع شباب متحمس لم ترضه اتفاقات كامب ديفيد. ثم حانت ساعة الفسيخ فافترشنا حصيراً قرب ضفاف الجزيرة وولغنا في الفسيخ أو ولغ هو فينا. ثم رفعنا جنابة الفسيخ بالشاي المغلي وبالمزيد منه بعدما أضفنا اليه عصير الليمون، لنبدأ نزهة فوق فرس جابت بنا أنحاء الجزيرة الممتدة.
لم أعد أذكر عن القارئ صاحب الدعوة سوى أنه كان طالباً بالهندسة وأن اسمه أو لقبه “الشحات”. كان اللقب يجسد بحق علاقة التضاد بين الاسم وصاحبه الذي لم يكن شحاتاً بأي حال.
مرت سنوات، علمت بعدها من محام صديق أنه يسكن في شقة على النيل بجزيرة الوراق التي لم تعرف الشقق ولا العمارات من قبل. وعرفت حينها أن العشوائيات قد احتلت أفضل مناطق الجزيرة التي طالما حلمت أن تصبح مانهاتن مصر والقلب العصري جداً للقاهرة القديمة جداً.
غادرت مصر للعمل في السعودية. وحين عدت وجدت جمال مبارك وأحمد عز ومحمد كمال يروجون لمشروع مانهاتن فوق الجزيرة نفسها. لكن مشروع جمال مبارك لم يكن من أجل المواطن المصري كما كان يقول حزبه الحاكم وانما من أجله هو كما كانت تشير الوقائع والحقائق.
أطاحت أحداث 25 يناير (كانون الثاني) نظام الرئيس حسني مبارك وعائلته، ومشروع ابنه فوق جزيرة الوراق. وبينما كان حلم جمال مبارك يتلاشى، كانت قبضة العشوائيات تشتد فوق جزيرة الوراق.
ضمن برنامج الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يجري تحت شعار “الجمهورية الجديدة”، إمتدت طموحات العمران لتشمل جزيرة الوراق، وتعيد إحياء حلم مانهاتن، الذي لا يمكن أن يبدأ قبل أن ينهي نزاعاً حول ملكية أرض الجزيرة، لينطلق بعدها قطار التعمير والتطوير ليشمل واحدة من أرقى المناطق وأجملها في أحضان النهر الخالد.
هذه الجزيرة التي اعتدت أن أمضي فيها عطلتي الأسبوعية، والتي طالما احتضنت أحلامي وأحلام رفاقي، باتت الآن الكنز المخبوء للدولة المصرية، التي سارعت الى تطوير محيط الجزيرة بشبكة طرق وجسور وأنفاق، لم يذهب اليها خيالي الغض في سنوات الصبا.
سلوك الدولة المصرية تجاه مشروع تطوير جزيرة الوراق أو كما أفضل أن أسميها “جزيرة الكنز” سوف يقرر بجلاء ملامح مستقبل الدولة المصرية كلها، بداية من احترامها لحقوق الملكية الخاصة وحمايتها للاستثمارات، والاحتكام فقط الى مبادئ الدستور المصري والى نصوص القوانين المصرية التي ينبغي أن تحفز الاستثمار، وأن تحمي الملكية الخاصة.


