يعيش لبنان حالة من المراوحة الساخنة ميدانياً، بانتظار زيارة رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو الى واشنطن، واللقاءات التي سيعقدها هناك وخطابه في الكونغرس، وما سوف تسفر عنه الزيارة بشأن توقف الحرب أو تهدئة جزئية في غزة، تنسحب تالياً على جنوب لبنان.
ولا تخفي المصادر المتابعة خشيتها من أن يستغل رئيس الوزراء الاسرائيلي الزيارة لزيادة الضغط، سواء على معارضيه داخل اسرائيل، أو على المفاوضات نفسها، في السباق المحموم بين الدفع لإنجاز الاتفاق حول الحرب في غزة، أو الانزلاق نحو مغامرات غير محسوبة يريدها نتنياهو، الذي يسعى بكل الوسائل السياسية والميدانية الى ضرب المفاوضات، بحيث لم يعد خافياً أن السلوك العسكري التصعيدي لا يزال خياره الوحيد، وذلك لإطاحة المفاوضات، بدليل المجزرة التي ارتكبها عشية التفاؤل بالاعلان عن الهدنة، عندما زعم الجيش الاسرائيلي إغتيال المطلوب رقم واحد “مهندس عملية طوفان الأقصى” محمد الضيف.
بات واضحاً أن المفاوضات الخاصة بالتوصل إلى تهدئة في غزة لا تلوح في الأفق القريب، خصوصاً مع تصلب نتنياهو، ومحاولته الافادة مما يحصل في الاقليم، ما ينعكس استمراراً لـ “جبهة الإسناد”، التي أطلقها “حزب الله” في الثامن من تشرين الأول 2023، ويدفع كل التقديرات السياسية إلى القناعة بأن فترة انتظار توقف الحرب في غزة ستطول، ولا أحد يعرف المدة التي ستستغرقها أي تسوية لوقفها، وما إذا كانت الادارة الأميركية ستتمكن في الأصل من الضغط على نتنياهو لإقناعه بالمضي فيها جدياً، بعيداً عن التسويف والمناورة وشراء الوقت.
وتمهيداً لزيارة نتنياهو الى واشنطن، يبذل وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن مساعي جدية لإنجاح الهدنة المرتقبة، مع كل من مستشار الأمن القومي الاسرائيلي تساحي هنغبي ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر اللذين أكدا الالتزام بالعمل لإنجاح خطة الرئيس الأميركي جو بايدن، في حين قال بلينكن ان القضايا العالقة يمكن حلها، مشدداً على ضرورة تجنب التصعيد في لبنان الذي يشكل هاجساً.
وبانتظار ما ستحمله زيارة نتنياهو الى واشنطن، تستمر المواجهات “المضبوطة” و”المحسوبة” بدقة على الحدود الجنوبية، ويستبعد المراقبون حرباً موسعة على لبنان في المدى المنظور، مرجحين إبقاء الوضع على حاله في الجنوب ضمن قواعد الاشتباك المتفاهم عليها إضافة إلى بقية المناطق اللبنانية، إلى أن تتكشف ما ستؤول إليه الأوضاع في غزة، وموازاة في الجنوب.
ويضع المراقبون عاملين إسرائيليين إثنين لاستبعاد الحرب البرية، يتمثلان في الضغوط التي يتعرض لها نتنياهو من المستوطنين لإصرارهم على العودة سريعاً إلى قراهم قبل شهر أيلول، موعد بدء السنة الدراسية. أما العامل الثاني فيتعلق بالضغوط التي يمارسها أهالي الأسرى لدى “حماس” لعودتهم أحياء. يتزامن ذلك، مع تأكيد “حزب الله” على لسان أكثر من مسؤول التمسك بإطار مهمته المحددة بـ “إسناد غزة”، وبالتالي عدم وجود نية بالتصعيد، ويردون على ما يحكى عن نية إسرائيل القيام بإجتياح بري بالقول: “إن تجربة حرب العام 2006، وما حملته من فشل (إسرائيلي) كبير لا تزال ماثلة”، محذرين من أن “كثافة النيران التي يمكن أن تتعرض لها إسرائيل تفوق التصور، وأن هناك بنك أهداف كبيراً”.
لبنان الأسير لحرب غزة ونتائجها، سيبقى يعيش المراوحة والانتظار، وبالتالي الرهان على أي تطور إيجابي، بشأن هذه الحرب، من دون أي خرق في أي من أزماته المتعددة الأبعاد، على الرغم من كل المحاولات والمبادرات التي لم تتوافر ظروف نجاحها.


