يا ما في سجون لبنان مظاليم

جوان مصطفى
سجن روميه

“هيدي تاني مرّة بيحاول مروان -إسم مستعار- ينتحر بسجن رومية بعد 11 سنة بدون محاكمة”.. بهذه الكلمات تحدّث إبن عم مروان لموقع “لبنان الكبير” عن الأزمة النفسية التي يعانيها ودفعته الى محاولة الانتحار مرتين، الأولى كانت قبل عدّة أشهر حين نصب مروان وعدد من السجناء مشانق في ساحة السجن، وعلى الرغم من الوعود التي تلقّوها بالخضوع لجلسات محاكمة قريباً، لم يحصل ذلك لأنه لم تعد هناك هيئة في المجلس العدلي، لتتكرر محاولة الانتحار مجدداً قبل 10 أيام ولكن هذه المرّة داخل الزنزانة، قبل أن يتم إنقاذه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

مروان (إسم مستعار)، أب لطفل يبلغ من العمر 11 عاماً، حاله حال الكثيرين في السجون لم يخضعوا لمحاكمات تظهر ما إذا كانوا مذنبين أم لا.

أزمة المحاكم المستمرة منذ سنوات توسّعت لتطال أيضاً المجلس العدلي، الذي لم يعد قادراً على عقد جلساته للنظر في الدعاوى المحالة عليه، بعد تكليف القاضي جمال الحجار بمنصب النائب العام التمييزي، إذ لا يمكن لأي قاضٍ أن يحل مكانه في عضوية المجلس إلا بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وهو أمر غير ممكن حالياً، ما يعني أن جميع جلسات المجلس العدلي المدرجة على جدول الأعمال تم تأجيلها مسبقاً. يُذكر أن الحجار عُيّن عضواً في المجلس العدلي بحكم ترؤسه الغرفة السابعة لمحكمة التمييز الجزائية.

وأكد رئيس لجنة حقوق الانسان في مجلس النواب النائب ميشال موسى في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن المشكلة تكمن في غياب المحاكمات للبت في الكثير من الدعاوى، إضافة الى عدم بناء سجون جديدة لمعالجة مشكلة الاكتظاظ داخل السجون وغياب التجاوب مع المطالبات المتكررة بهذا الشأن.

أما في ما خص اقتراح قانون تخفيض السنة السجنية لتصبح ستة أشهر، فقال موسى: “هناك خلاف داخل اللجان ذلك أن القانون حتّى لو تمّ إقراره، فإنه سيطال عدداً قليلاً من المساجين وذلك بعدما درسه عدد من الخبراء والوزارات من بينها وزارة العدل”.

يُذكر أن نحو 80% من السجناء في لبنان موقوفون احتياطياً، أي قبل المحاكمة، بحسب تصريح سابق لوزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي، ويُفترض أن يستوعب سجن رومية، أكبر سجون لبنان، 1,200 سجين، لكنه يضم حالياً نحو 4 آلاف، وفقاً لنقابة المحامين في بيروت. كما تبلغ الطاقة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز في جميع أنحاء لبنان 4760، لكنها تستوعب حالياً حوالي 8502، 1094 فقط منهم محكومون.

السجناء متروكون لمصيرهم

المحامي محمد صبلوح اعتبر في حديثه لـ “لبنان الكبير” أن “غياب المحاكمات إن كان يدّل على شيء، فهو على أن القضاء ليس بخير وعاجز. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت هناك الأسبوع الماضي جلسات تشمل 23 ملفاً تطال ما بين 100 إلى 150 موقوفاً، ولكن تم تأجيلها 6 أشهر، وهي مّدة غير منطقيّة”، مشيراً الى أن المشكلات تنسحب على قوى الأمن الداخلي، ففي بعض الأحيان لا يكون هناك العديد والعتاد لنقل الموقوف إلى الجلسة.

الطعام رديء والاستشفاء غائب

ولفت صبلوح إلى مستوى الطعام الرديء المقّدم للسجناء، الذين كانوا يعتمدون على أهاليهم في جلب الأطعمة لهم، أو كانوا يلجؤون الى الشراء من إستراحة السجن نفسه، ولكن هذا كان قبل الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ تشرين الأول 2019، إذ أدى ارتفاع التضخم والأسعار إلى خلق حواجز لا يمكن التغلب عليها لعدد كبير من العائلات، ما دفع السجناء الى اللجوء لطعام السجن السيئ وغير الكافي أساساً.

ولكن الخطر الحقيقي، بحسب صبلوح، يكمن في غياب الاستشفاء، وعجز الدولة عن تأمين كلفته للسجناء، الأمر الذي يدفع الأهل الى جمع التبرعات لإجراء العمليات الجراحية لأبنائهم داخل السجن، ويكمل قائلاً: “أحد السجناء كان بحاجة الى عملية قلب مفتوح، وتمكّن أهله من جمع كلفتها بعد ثلاثة أشهر، وفي يوم العملية فارق الحياة”.

وبموجب المعايير الدولية يجب أن توفر إدارة السجن لكل سجين، في الساعات المعتادة، وجبة طعام ذات قيمة غذائية كافية للحفاظ على صحته وقواه، جيدة النوعية وحسنة الاعداد والتقديم. كما تنصّ أيضاً على أن توفر لكل سجين إمكان الحصول على ماء صالح للشرب كلما احتاج إليه. ويجب أن يحصل السجناء على الخدمات الصحية الضرورية مجاناً ومن دون تمييز على أساس وضعهم القانوني، وعلى سلطات الدولة السعي الى الحد من اكتظاظ السجون، وعند الاقتضاء، اللجوء إلى تدابير غير احتجازية كبدائل عن إجراءات الاحتجاز قبل المحاكمة.

وحمّل صبلوح الحكومات المتعاقبة مسؤولية التقاعس عن تنفيذ الخطط المعتمدة مسبقاً لتخفيف الاكتظاظ. ففي العام 2015، وافقت الحكومة على تخصيص 30 مليون دولار لبناء سجن جديد في بلدة مجدليا في الشمال، وصرح وزير الداخلية آنذاك نهاد المشنوق بأن مشروع البناء سيكتمل في غضون 18 شهراً. وبعد تسع سنوات، لم يُبنَ السجن.

وكانت “هيومن رايتس ووتش” دعت السلطات اللبنانية الى وجوب اتخاذ خطوات عاجلة لتخفيف اكتظاظ السجون، بما يشمل النظر في بدائل لاحتجاز الموقوفين احتياطياً، وتمكين السجناء بصورة كافية وموثوقة من الحصول على الطعام والرعاية الطبية.

إذاً، يبدو أن معاناة السجناء مستمرة في ظل وجود سجون مكتظة وغياب محاكمات عادلة ومؤسسات حكومية تنظر إليهم كمنبوذين من المجتمع، ولا تجعل من السجون مركزاً لإعادة تأهيل أشخاص إتخذوا خيارات خاطئة في الحياة، بل مراكز عقابية تغيب فيها أدنى مقومات الحياة الكريمة.

شارك المقال