سنة لبنان… الدور والواقع والتحديات (7) إغتيال رفيق الحريري إغتيال للاعتدال والوسطية

زياد سامي عيتاني

تمكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري من خلال مشروعه الرؤيوي والتحديثي أن يرتقي بالفكر السني التقليدي في لبنان، الذي كان متأثراً بالقومية العربية، إلى مفهوم عصري للعروبة، يواكب حركة التطور والعصرنة، ويقوم على أفكار عملية (قابلة للتنفيذ)، بعيداً عن الشعارات التي تجاوزها الزمن. فالرئيس الحريري كان يرى أن مستقبل العرب ونهضتهم يبدآن بالتنمية من مختلف جوانبها، وتحديداً التعليمية والمعرفية، من خلال “المجلس العربي للتنمية المستدامة”، (بدأها بمبادرة فردية، عندما علم ٣٥ ألف طالب لبناني).

أما بالنسبة الى الاطار الجامع الذي يكفل التقارب العربي، للوصول تدريجياً إلى “إتحاد مشترك”، على قاعدة الحفاظ على إستقلالية وخصوصية كل دولة وقطر، فكان مقتنعاً بأن “السوق العربية المشتركة”، هي السبيل لتحقيق ذلك. وهذا التوجه الفكري المتقدم للسنة في لبنان، تحول إلى موضع إعجاب وتقدير لدى أغلب الشعوب العربية، ذات الغالبية السنية، ما جعلها تتفاعل مع الرئيس الحريري ليس كمجرد زعيم لبناني وحسب، إنما شخصية عربية فذة.

ولا بد من الكشف في هذا السياق، أن تصورين متكاملين للمشروعين، كانا بحوزته، ويعمل بهدوء مع الزعماء العرب على تهيئة الظروف لوضعهما موضع التنفيذ، خصوصاً وأنه يتمتع بعلاقات وثيقة ومتينة مع كل الرؤساء والملوك العرب، ومؤسسات التنمية والتمويل الكبرى في جميع أنحاء العالم.

لذلك، فقد شكل زلزال إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مقدمة لاغتيال نهج الاعتدال والوسطية والتلاقي، ليس على صعيد لبنان فحسب، بل على مستوى المنطقة، ودخول لبنان في أخطر أزمة سياسية منذ نشأته، نتج عنها إنقسام وإصطفاف طائفي ومذهبي وسياسي حاد، وأدت في مختلف محطاتها وإنعطافتها المفصلية إلى خلل بنيوي في التوازنات الوطنية، تبعاً لعوامل داخلية نرجسية، مقرونة بإنعكاسات الحروب التي شهدتها الدول العربية المجاورة (صراعات، وتصفيات، وإبادة، وخطط “ترانسفير” تهجيرية فئوية ومذهبية وعرقية) على الداخل اللبناني وتوظيفها بكثير من الخبث السياسي لشيطنة مناطق ذات أكثرية سنّية، كتبرير بعيد عن الواقع والحقيقة، بهدف تهميش ذلك الدور الوحدوي الجامع للطائفة السنّية وتقزيمه، تمهيداً لتغيير وجه لبنان الحقيقي، وهويته العربية المتنوّرة المنفتحة على كلّ الحضارات!

بناءً على ذلك، كان اغتيال الزعيم السنّي رفيق الحريري عام 2005، نقطة تحول في تاريخ لبنان السياسي أوصلتنا إلى حقبة جديدة عُرفت بـ”الشيعية السياسية”. ومنذ ذلك الحين، يواجه المكون السنّي تحولات تاريخية كان آخرها تعليق سعد الحريري وتيار “المستقبل” العمل السياسي عام 2022، فأضحت الطائفة السنيّة تفتقد القيادة السياسية ومشرذمة في الداخل والخارج.

وشكلت عملية اغتيال الحريري، بداية الفراغ السني في المشهد اللبناني، وجعلت هذا المكون مكشوفاً من دون أي غطاء عربي أو دولي، بحيث ترك غياب هذه الشخصية القيادية فراغاً سياسياً كبيراً، وساهم في تشرذم الطائفة، واستغلال بعض قياداتها هذا الغياب لخلق شخصيات سياسية، وأداء دور أكبر باسم الطائفة السنية، لا سيما وأن المكون السني فشل في إنتاج حالة ووجود سياسي يساهمان في استعادة الدور التاريخي والسياسي له في لبنان، وذلك بسبب افتقاره إلى القيادة والمشروع، ليكونا عاملاً مؤثراً في المستقبل السياسي الذي يُرسم للبنان.

إنّ غياب المكون السني كفكر وأداء وسطي ومعتدل، أدى إلى غياب مزمن للطائفة السنية في أداء دور مهم في صناعة المستقبل والتركيبة السياسية للنظام السياسي للبلاد. وهنا تظهر أهمية طرح مبادرات داخل الطائفة لإعادة الدور السني التاريخي.

في المحصلة، لم يسبق للمسلمين السنّة في لبنان أن وجدوا أنفسهم في محنة سياسية كالمحنة الحقيقية التي يجدون أنفسهم فيها اليوم، خصوصاً مع غياب مرجعياتهم الوازنة السياسية والزعاماتية وتغييبها، ما يشعرهم بما يشبه “اليتم” السياسي!

شارك المقال