عفاريت ثورة يوليو ١٩٥٢

عبد المنعم مصطفى

روائح محببة تنبعث من أبخرة المعسل المتصاعدة من حجر النارجيلة، بينما تتراقص جواهر الفحم فوق الحجر لتصبح مثل الياقوت، كلما جذب أحدهم نفساً عميقا من النارجيلة، تختلط رائحة المعسل المميزة، برائحة البن المحوج، الذي أمضت زوجة عمي الأكبر (الشيخ فؤاد) سحابة نهارها في تحميصه وطحنه وتحويجه بالحبهان وزر الورد، ليصنعاً معاً عالماً من السحر كان يبهرني، فيما كان فضول الطفولة يدفعني أحياناً الى التسلل الى المطبخ بعد رفع مخلفات السهرة، لاتذوق بإصبعي بعض بقايا القهوة من فنجان أبي، وفي بعض الأحيان، كنت احاول خفية تجربة جذب نفس خاطف من بقايا نارجيلة خبت نيرانها.

عالم من السحر مضمخ برغبة دفينة في استعجال بلوغ الرجولة، لعلي أفوز بصحبة مماثلة، يتمايل السمار فيها على موسيقى رياض السنباطي وصوت ام كلثوم، وكلمات احمد رامي (عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك.. وتجيب خضوعي منين ولوعتي في هواك؟!).

هذا المزيج الفريد من عطر القهوة، و دخان المعسل، ورائحة الزهور في أصصها بطول سور الفراندا، وصوت ام كلثوم، والأمان الفريد الذي تمنحك إياه صحبة سمر تحبك كما تحب الحياة. كل ذلك كان يمنحني في كل لحظة عمراً جديداً.

حياة الفراندا، منحت بيتنا الكبير ، كيانه الخاص، كبيئة حاضنة للفن والحضارة، والخرافة، وحتى للسياسة في بعض الأحيان، أحد شهود هذه الحياة، صديق حميم لأبي كان اسمه علي مرسي المليجي، كان فناناً ونحاتاً، سجل حياة الفراندا في منحوتة نادرة جسد فيها جميع الشخصيات التي تقضي في صحبتها ليال من السمر البريء الفريد.. لم أر علي مرسي المليجي فقد مات عقب ولادتي بأيام في حادث سيارة، ظلت توابعه تلاحق اسرتي على مدى ربع قرن، لكنني رأيت ابداعه في نحت تماثيل من الخشب جسدت حياة الفراندا في بيتنا، على نحو فريد.

جلال عثمان، احد أبرز الوجوه بين ضيوف الفراندا في اواخر الأربعينيات وحتى منتصف الخمسينيات، كان ضمن فريق العاملين بالقصر الملكي بالقبة، أنيق، رقيق، خفيف الظل، من أصول سودانية منحته سمرة مميزة، يقيم مع زوجته (آمنة) ابنة أحد شماشرجية الملك فاروق، في ضاحية حلوان الهادئة جداً آنذاك.

استيقظ جلال عثمان – حسب روايته – ذات صباح، ليخبر زوجته ابنة الشماشرجي سليمان بك قاسم، وهو أيضاً من أصول سودانية، أنه رأى رؤيا غريبة، وأنه يريد من زوجته ان تخرج بنفسها اليوم لشراء الدجاج، فإن وجدت عند بائع الدجاج، دجاجة ذات لون رزي (منقط ابيض في أسود) فإن عليها إحضارها، وذبحها، وتنظيفها بنفسها، وان تفتح القونصة بعناية لتستخرج منها حجراً مميزاً ستجده فيها، فإن وجدته، عليها ان تسلمه له في يده ولا تخبر أحداً.

أنصتت زوجته الى ما قاله، وراحت تفعل كما قال تماماً، لم يكن جلال عثمان حتى ذلك اليوم درويشاً، ولا كان يبدي حرصاً على اداء الصلوات في مواعيدها، لكنه مثل اغلب السودانيين، كان يميل الى ممارسات بعض أتباع الطرق الصوفية.

عادت زوجة جلال عثمان الى بيتها في حلوان ومعها الدجاجات وبينها دجاجة رزي، وجدت في حوصلتها حجراً يشبه فص الخاتم، حملته الى زوجها، الذي نهض من فوره الى الصائغ ليصنع له خاتماً يتوسطه فص الدجاجة الرزي.

ما ان وضع جلال عثمان الخاتم ذي الفص (الرزي) في إصبعه الخنصر، حتى انقلبت حياته رأساً على عقب، وانعكس ذلك على حياة الفراندا، وحواراتها، فحلت عفاريت جلال محل جلسات السمر الكلثومي، فالرجل يرى عجائب يصر على ان يبلغ بها خلصاءه وفيهم أبي واعمامي.

قال لهم ذات ليلة، ان حماه سليمان بك قاسم شماشرجي الملك سيموت، وان جنازته سوف تشهد، تعرض المشاركين فيها من (كبارات البلد) على حد وصفه، لألوان من العذاب لم يسمعوا بها، حيث تقتلع الرياح سرادقات العزاء، بينما ينهمر المطر فوق طرابيش الباشوات ومعاطفهم الثمينة، فيما يخوضون في الطين لدى دفن الفقيد.

بدا ابي وأعمامي غير مصدقين لما يقوله جلال عثمان عن موت سليمان بك قاسم وما يصاحبه من أهوال، لكنهم صعقوا عندما تحقق ما رَآه، ورواه لهم، فقد مات الرجل، وشهدت جنازته ما تحدث عنه جلال عثمان في سهرة الفراندا.

اكتسبت خرافات جلال عثمان بعض المصداقية لدى أصدقائه، الى ان جاء في إحدى ليالي الصيف ليحدثهم عن ضباط بالجيش يطيحون بالملك، ويستولون على الحكم، ما أثار لديهم مشاعر خوف حاولوا اخفاءها، لكن أبي قال لي لاحقاً بعد اعوام من ثورة يوليو ١٩٥٢، (الثورة قامت من هذه الفراندا)، مشيراً الى ان نبوءة جلال عثمان بشأن الثورة قد انطلقت من هنا “من هذه الفراندا”..

انطلقت بعدها أسأل أبي وفي نفسي رجاء ان تحمل الإجابة لي ما يمنحني أمل في نصر قريب: هل قال عّم جلال شيئاً بالنسبة لإسرائيل؟!.. نظر الى أبي مشفقاً مما ينتظر جيلي وقال وهو خائب الرجاء: سألناه عن اسرائيل، فقال: ماذا تقول يا كمال؟! .. “ستظل اسرائيل باقية، الى ان تملك انت ما يملكون من علم وتكنولوجيا”!..وأقسم لي أبي انها كانت المرة الاولى في حياته التي يسمع فيها كلمة “تكنولوجيا”.. اذ لم تكن معروفة او مستخدمة في مصر حتى مطلع الخمسينيات.

قامت الثورة التي تنبأ بها جلال عثمان، ورحل الملك كما اخبره خاتمه ذي الفص الرزي، وتصور الرجل انه كان شريكا في صنع الثورة، فراح يسدي النصائح لجمال عبدالناصر مستنداً الى ما لديه من معلومات جمعها خلال سنوات عمله بالقصر الملكي بالقبة، وفيما يبدو فقد ضاق عبدالناصر بإلحاح الرجل، ولم يبدي ميلاً للإنصات الى ما يقول، ما أدى الى ضيق جلال عثمان وتدهور حالته الصحية وأودعته أسرته مصحة للأمراض النفسية قرب حلوان، الى ان توفاه الله بعد اعوام قليلة من الثورة التي تنبأت عفاريته بوقوعها.

شارك المقال