ليس فائض سلاح فقط

لينا دوغان

إنها مظاهر جديدة الى جانب قوة السلاح، تعطي صورة جديدة في البلد وعن البلد، الذي بات محكوماً بأمور تؤكد أنه أصبح على شكل وشاكلة حتى طبق لبنان المثل: قل كلٌ يعمل على شاكلته.

بيد أن هذه الصورة والظاهرة صارت تطفو على السطح بعد ٧ أكتوبر، وإن كانت بدأت تطل برأسها على البلد منذ ما قبل غزة، إلا أن عملية المقاطعة بمواجهة ماركات أميركية وقف في وجهها معظم الشعب اللبناني، جعلت من بروز ماركات أخرى منافسة الى حد كبير، فبتنا نشاهد محال stories مقابل starbucks وsimple butter بوجه swiss butter، وصولاً الى إنتاج عبوات مشابهة لـ pepsi وأخواتها، من هنا يتضح أن المقاطعة لم تفرز الأسماء وحسب، إنما تعدتها لتصل الى تقليد الاسم والشعار وأيضاً التصميم وبالتالي التوجه.

يعتبر كثيرون أن أمر المقاطعة نصرة لغزة ليس اختياراً بقدر ما هو عملية فرض أو بمعنى أصح خيار “حزب الله” الذي مشى فيه كما مشى بسلاحه في قراره المنفرد، لدرجة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو تظهر قطع الطرق وترهيب الناس لمنع الشاحنات المحملة من دخول بضائع المقاطعة إلى بعض المناطق في لبنان تحت شعار “نصرة غزة”، مثيرة جدلاً واسعاً باعتبار المقاطعة شأناً شخصياً وليس إجبارياً يفرضه “حزب الله” على المواطنين. كما قام بعض المواطنين برمي المنتجات المقاطعة في البحر، ما دفع نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي الى اصدار بيان استنكرت فيه الحملة التي تتعرض لها الشركة المسماة “معبئة بيبسي كولا في لبنان”، وقالت إن الشركة لبنانية بإمتياز يعمل فيها موظفون وعمال لبنانيون وأي تطاول يمثل ضرراً مباشراً للبنان واللبنانيين جميعاً.

من هنا يتبين أن المقاطعة الشعبية في لبنان ستترك تداعيات سلبية على عمل الشركة العصريّة اللبنانية التي تُنتج مرطبات “بيبسي كولا” ومشتقاتها في لبنان، انطلاقاً من أن الشركة توظّف المئات من العمال اللبنانيين وسائقي السيارات والموزّعين، وتدفع ضرائب للدولة اللبنانية، وبالتالي يذكر مراقبون بأنه يمكن للراغبين في مقاطعة منتجات الشركة المذكورة ألا يشتروها، لكن التهجم على العمال اللبنانيين وشاحناتهم وإجبار الناس على المقاطعة أمر لا يحقق غاية المقاطعة بل هو مساهمة في ضرب شركة لبنانية والصناعة المحلية، متسائلين: لماذا لا تتم مقاطعة الدولار مثلاً بدل الركض خلفه علَّ سعره يتراجع ويخفف الأعباء عن المواطنين المنهكين من أزمة اقتصادية خانقة؟

وهكذا من مقاطعة المنتجات الأميركية وما تلاها من تحركات، بدأنا نرى صورة تقول ان واجهة البلد على الصعيد الغذائي ومنه السياحي في طور التغيير، فمن مشروبات الى مطاعم مضاربة، تجعلنا نرى أن الفرض بدل الاختيار سيصبح مع الوقت حالة دائمة تفرض نفسها على المجتمع اللبناني لتؤخذ المثالثة التي لم تتحقق في السياسة وتتأكد من خلال فائض “المقاطعة”.

عملياً إستغلال المقاطعة حاصل وبقوة، وسنرى ترجمته أكثر فأكثر مع مرور الوقت الذي لن يكون طويلاً، لأنه كما كان المطلوب سابقاً الوجود عبر قوة السلاح، فإن أغلب الظن في القادم من الأيام سيكون الوجود والتغلغل أكثر داخل البلد وتحديداً مرافقه الأساسية أولاً لإعطاء صورة حضارية غير صورة السلاح وما رافقها، وثانياً للقول اننا أصحاب المال والقرار بغض النظر عما يمكن أن يحصل لموظفين لبنانيين لا يربطهم بهم سوى أنهم يعيشون في بلد واحد.

هذه المقاطعة النسبية في لبنان لن تُنتج سوى الضرر المحلي، في وقت تسعى فيه شركات أخرى إلى توظيف الموضوع في الترويج لشركات وإنتاجات أخرى. ومن هنا لا يبدو القرار بريئاً، وإن كان الناس خلال تعاطيهم صادقين في نية تحقيق هدف المقاطعة وفعلاً وليس قولاً فقط دعماً لغزة.

شارك المقال