في السابع من تشرين الأول “أكتوبر” الماضي، أطلقت “كتائب عز الدين القسام” الذراع العسكرية لحركة “حماس” هجوماً على مستوطنات ما يعرف بـ “غلاف غزة” تحت إسم “طوفان الأقصى”، فكان الرد الاسرائيلي عليها بعملية “السيوف الحديدية ” التي دخلت شهرها العاشر ولما تزل مستمرة حتى اليوم.
في بيانها الأول وضعت “الكتائب” ثلاثة أسباب لهذا الطوفان وهي: نصرة الأقصى الذي يتعرض لإنتهاك حرمته يومياً، ونصرة الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الذين يعانون الأمرَّين، ونصرة الضفة الغربية التي تتعرض مدنها وقراها للإقتحامات المتكررة وأراضيها للمصادرة.
ولتحقيق هذه الأهداف وجهت “الكتائب” خطابها التعبوي في إتجاهات أربعة: الأول لمجاهديها، والثاني للفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، والثالث لفلسطينيي الداخل والرابع لمحور الممانعة والشعوب في العالمين العربي والاسلامي.
في خطابها إلى مجاهديها قالت: “هذا يومكم لتُفهموا هذا العدو المجرم أنه قد إنتهى زمنه، أزيلوا هذا الدنس عن أرضكم ومقدساتكم، قاتلوا والملائكة سيقاتلون معكم مردفين وسيمدكم الله بملائكته مسومين”. بينما دعت في خطابها الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس إلى أن “نظموا هجماتكم على المستوطنين بكل ما يتاح لكم من وسائل وأدوات، اليوم يومكم لتكنسوا هذا المحتل ومستوطناته عن أرضنا، هبوا لنصرة أقصاكم”، وإلى فلسطينيي الداخل أن “أشعلوا الأرض لهيباً تحت أقدام المحتلين الغاصبين قتلاً وحرقاً وتدميراً وإغلاقاً للطرقات”. أما في خطابها الى محور “المقاومة” فقالت: “هذا هو اليوم الذي تلتحم مقاومتكم مع أهلكم في فلسطين ليفهم هذا المحتل أنه قد إنتهى الزمن الذي يعربد فيه ويغتال العلماء والقادة وقد إنتهى القصف شبه اليومي في سوريا والعراق”. كما دعت في “ذيل الخطاب” الشعوب العربية والأسلامية الى “الزحف وتحطيم الحدود”.
كان واضحاً من الخطاب التعبوي أن هناك فجوة إن لم نقل تناقضاً بين الأسباب التي أعلنتها للعملية والهدف المطلوب تحقيقه من ورائها، ففي حين كانت الأسباب توحي بـ “النصرة” للأقصى والضفة والقدس ما قد يوحي بعملية محدودة في الزمان والمكان، كان يبدو – من لهجة الخطاب طبعاً – أن الهدف من العملية هو “التحرير الشامل” بدليل إستنهاض الأمة بكاملها وكل من موقعه وبكل الأساليب للمشاركة في العملية، ما ترك الإنطباع بأن حسابات العملية قد أخذت في الحسبان أن الحرب ستكون طويلة وأن لا مجال للتراجع، وهو ما أكده شعار العملية “إنه لجهاد، نصر أو إستشهاد” الذي يختتم به كل بيان سواء من حركة “حماس” أو حركة “الجهاد الاسلامي”.
وهذا ما يطرح السؤال عن سبب الدخول إذاً في مفاوضات سياسية بات هدفها وسقفها الأعلى إبرام صفقة تبادل للأسرى والعودة بالوضع إلى ما كان عليه قبل 7 أكتوبر؟ هل هو مجرد خطأ في الخطاب التعبوي الذي “راح للآخر” نتيجة حماس اللحظة الآنية خصوصاً مع نجاح العملية في بدايتها بشكل قد يكون أدهش مخططيها؟ أو هو خطأ في الحسابات السياسية والعسكرية نتيجة قراءة خاطئة للمعطيات الاقليمية والدولية القائمة؟ وهل كان هذا الخطاب يعبّر عن وجهة نظر خاصة بـ “الكتائب” فقط أم هو خطاب متفق عليه سواء مع الإطار السياسي لـ”الكتائب” أو مع الحلفاء في محور الممانعة؟
أسئلة قليلة من ضمن أسئلة كثيرة – قد لا يكون أوان طرحها اليوم – تطرحها نتيجة العملية التي تركت آثارها أول ما تركت على الشعب الفلسطيني سواء في غزة أو الضفة الغربية، ويبقى السؤال الأهم في هذه الظروف العصيبة والداهمة هو إذا كانت “كتائب عز الدين القسام” هي من بادرت الى إطلاق “طوفان الأقصى”، فاليوم بات واضحاً للأسف أن المبادرة أصبحت بيد بنيامين نتنياهو و”سيوفه الحديدية”، وبات العالم بأسره ينتظر موقفاً من نتنياهو من هنا وخطاباً من هناك والسؤال نفسه على كل الشفاه والوجوه وهو متى يوقف نتنياهو عملية “السيوف الحديدية”؟ وفي هذا السؤال تكمن النتيجة والحقيقة المرة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.


