يوم الأربعاء، الواقع في 24 تموز، وفي تمام الساعة التاسعة بتوقيت القدس، بدأ أغرب مشهد يمكن مشاهدته على صعيد المشاهد البرلمانيّة في العالم.
بنيامين نتنياهو القادم من قيادة حرب الإبادة في غزة، والذي بحث عن وسيلة للانتقال الجوي إلى أميركا من دون المرور بأوروبا، كونه مطلوباً كمجرم حرب لمحكمة الجنايات الدولية، إلى جانب إدانة “دولته” باحتلالها لأرض فلسطين وشعبها، وهذه المرة إدانة صريحة من أعلى وأهم مؤسسة حقوقيّة عالميّة – وهي محكمة العدل الدولية، والذي ودعته الجموع الاسرائيلية بتظاهرات ضخمة تطالبه بالرحيل وبعدم العودة، واستقبل أمام الكنيست الأميركي (الكونغرس سابقاً) بجموع لا تقل أهمية عن التي ودعته، مجرم الحرب هذا كان سيد الكنيست الأميركي الذي صفّق حضوره أكثر من خمسين مرة لأكاذيبه، ووقوفاً في كل المرات، وهذا لم يحققه نتنياهو في كل مسيرته، لا في الكنيست الاسرائيلي ولا حتى في مؤتمرات حزب الليكود.
لن أتوقف عند كل ما قاله في كلمته الطويلة في مجال نزع سلاح غزّة وحكمها المدني إلى اتهام قطاعات من الأميركيين بأنهم عملاء لإيران والدّونية التي تحدّث بها عن أميركا حنى تكاد تعتقد وأنت تستمع إليه أنها إحدى المحميّات الاسرائيلية!
المقزّز في الموضوع والجدير بالتوقف عنده ما طرحه نتنياهو عن أن الحرب الدائرة الآن في غزّة ليست صراع حضارات، بل صراع بين البربرية والحضارة. تأملوا من يتحدث عن البربرية! نتنياهو الذي ولد عام 1949 في فلسطين والدته تسيلا سيغال، أمّا والده فهو بن صهيون نتنياهو المولود في وارسو والذي كان مؤرخاً متخصصاً في العصر الذهبي للثقافة اليهودية في إيبيريا الاسبانية، ويبدو أن نتنياهو أضل الطريق وقرأ عن مملكة إيبيريا القوقازية التي قامت قبل سنوات من التأريخ الميلادي، وتميزت في تجمعات سكانية من العديد من القبائل كما هو وارد في الجغرافيا اليونانية الرومانية. ويبدو أن نتنياهو وأمثاله تأثروا كثيراً بتجربة شعب الموشكي وذريتهم المحتملين أو “الساسبيرز” (الذين ذكرهم المؤرخ الإغريقي هيرودوت) والتاريخ يذكر كيف تحرك شعب الموشكي ببطء وكيف بنى المستوطنات وكيف قتل حاكم إيبيريا وذبح كل أفراد عائلته ليتمكن من احتلال المنطقة، وكان ذلك على يد الضابط آزو أحد ضباط الإسكندر الأكبر. إلا أنهم هزموا في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد على يد الأمير فارناماز الذي كان في ذلك الوقت زعيماً محلياً.
فلو قرأ نتنياهو ما أرّخه والده، لرأى كيف حكم العرب المسلمون إسبانيا، البلد غير الاسلامي، وكيف ازدهرت أحوال اليهود الذي تخصص والده في الكتابة عنهم وعن المرحلة الذهبية من تاريخهم في تلك البلاد.
لو قرأ نتنياهو لعرف أن الصراع في فلسطين هو فعلاً بين الحضارة العربية والبربرية الصهيونية، ولكن مَن مِن العرب سيذهب إلى أميركا ليرد على نتنياهو ومن المكان نفسه الذي اندمج فيه الكذب الاسرائيلي بالنفاق الأميركي؟


