العاصفة من زاوية بريطانية!

عبد المنعم مصطفى

امتدت عمليات القصف الجوي الأميركي للعراق، لبضعة أسابيع قبل أن تبدأ العمليات البرية لتحرير الكويت، كان الاتحاد السوفياتي يتوارى في الظلال، فيما كانت القوة الأميركية تستخدم أجواء العراق لاعلان الانفراد الأميركي بزعامة العالم.

في المسافة من الجريدة الى المنزل، وهي قصيرة لا تتجاوز ثلاثمائة متر أقطعها سيراً على الأقدام، كنت أستطيع أن أرى بالعين المجردة، قاذفات “بي 52” الأميركية العملاقة تحلق على ارتفاع منخفض، وأتيح لي في بعض الأحيان ملاحظة عبارات كتبها جنود أميركيون على الصواريخ التي تحملها القاذفات تحت أجنحتها.. صواريخ طليت باللون البيج وكتب عليها الجنود باللون الأسود عبارات بعضها ساخر تتوعد صدام حسين بالدمار.

طوال أيام الحرب، منذ الغزو العراقي وحتى تحرير الكويت وانتهاء العمليات الحربية، بمفاوضات الاستسلام في خيمة أقيمت بمنطقة صفوان الحدودية، كتبت مقالاً يومياً، يحمل مزيجاً من التعبئة للحرب، والتحليل لمجرياتها ومآلاتها، وما إن وضعت الحرب أوزارها عام ١٩٩١ حتى حزمت أمري على الاستقالة وترك العمل في الجريدة.

تقدمت باستقالة ظنّها رئيس التحرير ورقة مساومة لتحسين المركزين الوظيفي والمالي، لكنني كنت قد حزمت قراري: لن أستمر في العمل بهذه الجريدة. أسبابي كانت كثيرة وعميقة، لكن رئيس التحرير لم يتصور أن هناك “وافداً” يرفض الاستمرار في العمل بجريدته. سألني عن الأسباب فتعللت بإرهاق طال لأكثر من ١٨ شهراً منذ احتلال الكويت إلى اكتمال تحريرها، من دون إجازات أسبوعية او سنوية، وبأنني بحاجة الى أن أخلو لذاتي وأتأمل أحوالي.

استقلت أخيراً بعد مماطلات امتدت لأكثر من أربعة أشهر. والتحقت بعمل آخر في احدى الشركات العملاقة، كانت قد تواصلت معي بعد متابعتها لما كتبته طوال شهور الأزمة، وحين صافحني أحد مسؤوليها مهنئاً ببدء علاقة العمل بيني وبين الشركة، قال لي مبرراً قراره بمفاتحتي في العمل لديهم: “كنا نتابع ما تكتب.. لاحظنا امتلاكك لمهارات الإقناع والتأثير، وكذلك قدرة هائلة على شرح الخلفيات التي تبرر القرارات والسياسات”. كان ما قاله الرجل في معرض المديح ذماً استأت منه، ولاحظ هو استيائي، فحاول التخفيف منه متحدثاً عن قدراتي في تهيئة الأجواء لقرارات جديدة، وقدرتي على تسويغها وتسويقها وتبريرها! لم أرتح لتأويلات الرجل، لكنني لم أشأ التوقف طويلاً عندها. فثمة لحظات ومواقف ستفرضها الأيام التالية، يمكنني خلالها أن أعبر بوضوح عما أريد.

مرت شهور في عملي الجديد بالشركة العملاقة “سمارك – أرامكو”، وبتنا على بعد شهور فقط من الاحتفال بالذكرى الأولى لتحرير الكويت. كان وزير الاعلام الكويتي آنذاك هو بدر جاسم اليعقوب، الذي زار صحيفة “عكاظ” ضمن استعدادات وزارته للاحتفال بسنة أولى تحرير، وهناك التقى بزملاء وأصدقاء سابقين عاشوا معي تجربة إعلام الحرب. أشاد بدر جاسم اليعقوب بما قدمته “عكاظ” طوال الأزمة وما بعدها، واقترح إعداد كتاب يصدر في الذكرى السنوية الأولى للحرب، ويشتمل على أهم ما نشر في “عكاظ” من تحليلات ومقالات وحوارات طوال الأزمة.

تلقيت اتصالاً من أصدقائي في “عكاظ”، حدثوني فيه عن زيارة اليعقوب للجريدة، وعن كتاب اقترح صدوره في ذكرى الاحتفال بالتحرير، وطلب مني أحدهم وهو الصديق عمر جستينية أن أشترك معهم في إعداد الكتاب الذي سيعتمد إلى حد كبير على ما كتبته وسبق نشره بالفعل في الصحيفة على مدى أكثر من عام. وافقت من حيث المبدأ ثم التقينا لاحقاً، في منزل جستينية الذي كان قد تزوج قبل شهور فقط، وانضم إلينا الصديق الراحل نور محمد نور، والصديق عبد المعطي أبو زيد، اتفقنا على أن أقدم في الكتاب خمسة فصول من بين ثلاثة عشر فصلاً، حددتها بدقة، واشترطت الحصول مقدماً على مقابل كتابة كل فصل، قبل الشروع في كتابته، اذ كنت قد تعرضت لحالات تهرب واحتيال سابقة من شخصيات وثقت بها.

قمت بتنفيذ تعهداتي، وتسليم الفصول المتفق عليها، إلا الفصل الأهم بينها، والذي يتناول الرؤية بعد انجلاء غبار المعارك.

كان ما كتبته أثناء الأزمة، ثم أثناء الحرب، متأثراً بأجواء برزت فيها مظلومية كويتية حقيقية، وجشع عراقي حقيقي، لكن عاماً أول بعد انتهاء الحرب، استوجب مراجعة للرؤية في ضوء ما انكشف من حقائق حجبتها غيوم صاحبت الأحداث حال وقوعها، وما انجلى من غموض بفعل حركة نشر واسعة في بريطانيا والولايات المتحدة تناولت خفايا الأزمة، وهتكت أستارها.

انتهزت فرصة سفر الصديق حمزة عسيلان الى لندن حيث تقيم أسرة زوجته الانكليزية، وطلبت منه إحضار أهم ما صدر من كتب عن الأزمة وتوابعها، ولدى عودته تلقيت الكتب وكان أغلبها مما يصعب الحصول عليه في السعودية.

أتاحت لي قراءة بعض جوانب الرواية البريطانية للأزمة، الاطلاع على زوايا جديدة للرؤية لم تكن متاحة لنا، وإن شهدنا فصولاً معزولة منها، كان من بينها مثلاً، ما زعمه أحد هذه الكتب عن بعض “خفايا” ما جرى في الديوان الملكي بجدة بين الشيخ سعد العبدالله الصباح ولي العهد الكويتي آنذاك وعزة ابراهيم الدوري نائب الرئيس العراقي صدام حسين أثناء جلسة وساطة رعاها ولي العهد السعودي آنذاك الأمير (الملك) عبد الله بن عبد العزيز. فحسب الرواية البريطانية للحدث، كانت الوساطة السعودية قد أوشكت على النجاح في التوصل الى صيغة يحصل العراق بموجبها على نسبة معتبرة من حصة الكويت في حقل الرميلة النفطي مقابل إنهاء النزاع، وسحب الحشود العراقية من منطقة الحدود الكويتية، لكن أحد مساعدي ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز مال عليه وهمس في أذنه بأن ثمة اتصال هاتفي خاص من رئيسة الحكومة البريطانية مارغريت تاتشر، ترغب في التحدث إلى ولي العهد الكويتي الشيخ سعد العبدالله. ترك الشيخ سعد القاعة متوجهاً الى مكتب جانبي يتلقى فيه المكالمة، حيث أبلغته تاتشر بألا يقدم أية تنازلات لسفاح جشع لا يشبع، مؤكدة له وقوف بريطانيا والعالم الحر الى جانب الكويت، وأنها لن تتخلى عن دعم الأسرة الحاكمة فيها!

كان الخليج كله يستشعر وقتها أطماعاً لدى صدام حسين في ثروات الخليج التي يزعم أنه يحميها من ايران، وأنه لولا حربه ضد ايران التي أسماها “قادسية صدام” لما بقيت دولة خليجية واحدة بمنأى عن أطماعها! هكذا كان يرى صدام نفسه وهكذا كان يرى جواره العربي، فهو قد سدد فواتير حماية الخليج من إيران وقد آن أوان استعادتها من جيرانه العرب! كان صدام قد انتفخ غروراً بعد قبول ايران وقف اطلاق النار، وبدا متنمّراً بضيوفه في قمة عربية استضافها في بغداد قبل افتعال أزمة حقل الرميلة النفطي مع الكويت، وكانت رؤيته لذاته ولجيرانه العرب معبّرة بجلاء عن تلك النظرة، حتى أنه أفصح عنها لاحقاً حين خاطب الشعب العراقي قائلاً: “يا شعب العراق العظيم يا درة تاج العرب وعقال رؤوسهم”.

عاد ولي العهد الكويتي – طبقاً للرواية البريطانية – إلى قاعة استضافت لقاءه بنائب الرئيس العراقي، وقال وهو يضغط على حروف كلماته، مشيراً بإصبعه الى عزة ابراهيم الدوري بما معناه: “روح بلغ صدام ان ما هي لكويت اللي تفرط في حقوقها وثرواتها وترابها”. وطبقاً للرواية البريطانية نفسها للمشهد، فقد أطاح عزة الدوري فنجاناً كان في يده بوجه ولي العهد الكويتي، ثم انتصب الرجلان ليدخلا في تشابك بالأيدي حاول ولي العهد السعودي فضه من دون جدوى، ما استدعى تدخل ضباط الحرس الملكي لفض الاشتباك.

لفظت آخر محاولة سعودية لنزع فتيل الأزمة أنفاسها مساء أول أغسطس (آب)، ومع أول ضوء من يوم الثاني من أغسطس ١٩٩٠ كانت القوات العراقية قد سيطرت حتى على قصر الحكم بالكويت العاصمة.

ما استجد أمام عيني من حقائق جديدة بشأن خلفيات الغزو العراقي للكويت، لم أكن أعرف به حين نشرت عشرات المقالات عن الأزمة في صحيفة “عكاظ”، ولو أنني علمت به في حينه، لما كتبت ما كتبته، ولهذا فقد اكتشفت أنني لم يعد بوسعي المشاركة في الكتاب الذي طلبه وزير الاعلام الكويتي بمناسبة الذكرى الأولى لتحرير الكويت، فأنا لا أستطيع تحمل المسوؤلية عن حقائق أعلم بها وأنشر ما يتناقض معها، والآن وقد تبين لي أبعاد مؤامرة كبرى لاستدراج دول المنطقة الى فخ يراد به ابتزازها واستنزاف مواردها الى مدى زمني غير منظور، فإنني لا أجرؤ على البوح، ولا أمتلك جسارة الكذب، أقصى ما كنت أقدر عليه، هو أن ألوذ بالصمت، وقد فعلت.

كانت غالبية فريق العمل بالكتاب ترى أننا نكتب بأحبار نفط أزرق، وكنت مصراً طول الوقت على أن الحقيقة خضراء، وللمفارقة فقد احتفظت لنفسي لاحقاً بمخزون هائل من أقلام الحبر الأخضر، سجلت بها مواقفي في كل حدث، بما ترتضيه الحقيقة وحدها، فإن عزّ علي البوح بها، كنت أتجنب الخوض فيها، وأهرب الى ساحات البوح الممكن.

حملت المبلغ المالي الذي كنت قد حصلت عليه مقدماً للشروع في كتابة الفصل الخامس والأهم من فصول الكتاب، وقمت برده لأصحابه معتذراً عن مواصلة الكتابة في هذا الشأن، في الظروف الراهنة. لم يتفهم شركائي في العمل، مبررات التوقف، بل إن البعض قد اعتبرها مبررات مراهقة لا مكان لها، ما دمنا مجرد أجراء نحصل على أجر مقابل إنجاز مهام لحساب آخرين، مهما كانت المهام لا ترضي ذواتنا ولا تتوافق مع قناعاتنا.

بعد آخر لا يتعلق بأمانة تحري الدقة واحترام أصول المهنة، وتوخي الحقيقة، كان وراء موقفي، ذلك البعد هو ديني بالأساس، فقد عاهدت الله أن لا أطعم أطفالي من حرام، وكنت أعتقد وما أزال، أن كتمان الشهادة حرام، وأن أية مكاسب ناجمة عن الكذب أو عن حجب الحقيقة أو عن تشويهها هي أيضاً حرام، ولقد اخترت الانحياز الى الحقيقة مهما كانت الخسائر جراء ذلك.

شارك المقال