عشاء آخر زمن

لينا دوغان

العشاء الذي أقامته فرنسا في افتتاح الألعاب الأولمبية على نهر عاصمتها لم يكن موفقاً، ولم يكن أبداً على شكل العشاء الأخير الذي أقامه السيد المسيح لتلاميذه، لا بل أكثر من ذلك، فقد أظهر المسيحيين وكأنهم انقلبوا على أنفسهم بين عشاء المسيح وعشاء فرنسا.

نعم عشاء فرنسا التي لا يحق لها ولا لغيرها إعطاء هذه الصورة عن المسيح وبالتالي عن المسيحيين، لا يحق لها ولو لغايات انتخابية أن تستغل صورة ناقية كهذه لتجعلها مدنسة كما كان الحال في مشهدية باريس.

السؤال المباشر هنا، هل فعلاً من قاموا بتنظيم افتتاح الأولمبياد ومعهم الرئيس الفرنسي، لم يدركوا أن هناك طائفة مسيحية ستعطي هذه الصورة فكرة بشعة عنها؟ ألم يفكروا بأن الإهانة ستكون كبيرة للمسيحيين بكل مذاهبهم؟ ألم يخطر في بالهم أن الإساءة ستكون فظيعة لدرجة تقض مضجع كل مسيحي؟

لست هنا بصدد الدخول في موضوع الشذوذ الذي أرفضه كمسلمة أولاً وكإنسانة طبيعية ثانياً، كما لست في معرض الحديث عن الإسلام أو الأديان بالتفصيل، لكن ما عرضته علينا فرنسا لنشاهده مسلمين ومسيحيين، يتنافى وأخلاق الأديان ومبادئها، ليصل إلى حد التحقير، وهذا ما لا يقبل به عاقل الى أي دين انتمى.

الكل كان ينتظر الألعاب الأولمبية في باريس خصوصاً أنها تحصل بعد ١٠٠ عام على أول استضافة، وكانت التوقعات تشير الى أن باريس ستشهد حفلاً لم يشهده أحد من قبل واستثنائياً لأنه سيكون خارج الملعب ويشهد عروضاً مائية مذهلة على نهر السين، لدرجة أن ينضم الحفل الى أكثر اللحظات الخالدة في تاريخ الألعاب.

العين كانت على باريس، لكن عين عاصمة الضوء والنور لم تفكر بالوقوف على رأي المسيحيين، الذين كانت لهم مواقف كبيرة مما شاهدوه، لتأتي أولى ردود الفعل بأن أقل ما يقال فيه سخرية من المسيحية، لتليها موجة غضب عالمية عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي بحيث اعتبر كثيرون أنها تصور السيد المسيح في صورة مسيئة الى شخصه الكريم بأسلوب همجي وطائش، لم يحترم مشاعر المؤمنين بالأديان ولا يمت الى الأخلاق والقيم الانسانية الرفيعة بصلة، ناهيك عن مواقف عدد من السياسيين ورجال الدين الرافضة لمثل هذا الاستعراض الذي لا يمكن أن يمثل المسيحيين ولا السيد المسيح.

عادة ما تتصدر لوحة افتتاح دورة رياضية الاعلام العالمي لكنها لا تأخذ الأضواء من الحدث بحد ذاته ألا وهو الألعاب الأولمبية، التي تعودنا أن نرى في افتتاحياتها نماذج لعرض القوة والعضلات تعبيراً عن القوة البدنية للرياضيين، لكن عرضاً لفرض الشذوذ عبر إهانة دين وإن تم الاعتذار عنها لاحقاً، لم يستطع لا إيصال رسالته التي أرادها ولا تمكن من إعطاء صورة جديدة عن الرياضة والرياضيين، حتى أنه ألغى بعض الرياضات ليستعيض عنها بـ break dance. وبعد مئة عام من تسلمها الشعلة لم توفق فرنسا في إيصال فكرتها عن التطور، وهي بهذه الطريقة بقيت عجوزاً هرمة تعاني من الخرف في نظر كثيرين.

شارك المقال