لطالما كانت استراتيجية اغتيال قادة “محور المقاومة” والفصائل الفلسطينية إحدى أهم الوسائل التي لجأت إليها إسرائيل للتخلص من أعدائها وتثبيت مفهوم “الردع”. ومع بدء المواجهات مع “حزب الله” في الثامن من تشرين الأوّل، غداة “طوفان الأقصى”، عمدت إسرائيل إلى اغتيال القادة العسكريين في الحزب من وسام الطويل إلى سامي عبد الله وأخيراً فؤاد شكر، الرجل الثاني في الحزب، ولم تكتفِ بذلك بل إغتالت رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في عقر دار إيران، ما يطرح تساؤلات حول الخروق في صفوف “محور المقاومة” ووجود شبكة عملاء تزود إسرائيل بمعلومات حول القادة.
وعلى الرغم من تحذير الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله من إستخدام الهواتف في شهر شباط الماضي وقوله “الهاتف الخلوي هو جهاز تنصّت.. إخواننا في القرى الحدودية وفي كل الجنوب لا سيما المقاتلون وعائلاتهم الاستغناء عن هواتفهم الخلوية.. الخلوي هو عميل يقدّم معلومات محددة ومميتة”، إستمرّ إستهداف إسرائيل لقادة الحزب، في وقت عزا كثيرون من الخبراء العسكريين هذه العمليات الى وجود شبكة عملاء داخل صفوف “حزب الله” تتبع قيادات الحزب، وتزوّد إسرائيل بالمعلومات حول تحركاتها وأماكن وجودها.
وفي حديث لموقع “لبنان الكبير” أشار الخبير العسكري والاستراتيجي العميد خالد حمادة الى أن “اسرائيل لطالما إعتمدت على العمليات الاستخباراتية إلى جانب العمليات الميدانية لتحقيق أهدافها، ولكن ما يجعل هذا الأمر يظهر إلى الواجهة اليوم، هو أنّ العمليات الاستخباراتية في السابق كانت تأتي لتدعم المجهود الميداني. أمّا اليوم فقد أصبحت العمليات الاستخباراتية هي الشكل المعتمد للمناورة الأساسية، وإذا ما تمت مقارنة الأداء الاسرائيلي الميداني مع العمليات الاستخباراتية أو العمليات الميدانية القائمة على أساس استخباراتي، وهو ما يظهر في عمليات اغتيال قادة حزب الله بأشكال مختلفة، يتضح أنّ العمليات الاستخباراتية هي الجهد الرئيسي لاسرائيل”.
الخروق في إيران.. مستمرة
وعلى الرغم من إصدار “الحرس الثوري” بياناً جاء فيه أن “رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اغتيل بمقذوف قصير المدى برأس حربي زنة نحو 7 كيلوغرامات، مصحوباً بانفجار قوي، من خارج منطقة سكن الضيوف”، ونفيه لرواية “نيويورك تايمز” الأميركية أن قنبلة مزروعة منذ شهرين في مقر هنية بطهران وراء اغتياله، ورواية “تليغراف” البريطانية عن أن “الموساد (وكالة الاستخبارات الاسرائيلية) وظف عملاء إيرانيين لزرع قنابل في ثلاث غرف منفصلة في مبنى كان يقيم فيه زعيم حركة حماس”، إلا أن الرواية الجديدة للحرس الثوري تشير بوضوح إلى تحمّل طهران المسؤولية، لكنها تفتح باب التكهنات بشأن وجود اختراق محلي كبير، وهو ما يعزز فرضية وجود عملاء محليين تم تجنيدهم لتنفيذ العملية.
والحال أن عمليات “الموساد” مستمرة منذ وقت طويل لاستهداف علماء الطاقة الذرية والنووية وعسكريين بالاضافة إلى شخصيات أجنبية مهمة، كانت بدايتها باغتيال مسعود علي محمدي، أستاذ الفيزياء والمشارك في تطوير البرنامج النووي الايراني عام ٢٠١٠، وتبعتها عمليات طالت شخصيات أخرى على غرار مجيد شهرياري (مؤسس الجمعية النووية الايرانية)، داريوش رضائي نجاد (طالب الدكتوراه في الهندسة الكهربائية)، مصطفى أحمدي روشان (مهندس كيميائي ومشرف في منشأة تخصيب اليورانيوم)، حسن طهراني مقدم ( لعب دوراً محورياً في تطوير قدرات الصواريخ الباليستية الايرانية)، ولعل واحدة من أبرز عمليات الاغتيال التي نفذها الموساد كانت اغتيال محسن فخري زاده، كبير العلماء النوويين في إيران، في تشرين الثاني 2020.
العميد حمادة أرجع سبب الخروق في إيران إلى طبيعة النظام القائمة على الأصولية الدينية الاسلامية الشيعية وغياب مشاركة بقية المذاهب في الحكم، وبالتالي تحولها الى أرضية خصبة للإختراق وتقديم المعلومات، التي لا يجب بالضرورة أن تكون بصورة مباشرة الى الموساد الاسرائيلي، بل إلى جهات غربية تقوم بدورها بنقل هذه المعلومات إلى إسرائيل.
وحول غياب لجوء إيران وحلفائها إلى الاستراتيجية نفسها التي تعتمدها إسرائيل، قال حمادة: “على الرغم من وجود معارضة إسرائيلية لا توافق على ممارسات الحكومة الاسرائيلية إلّا أنّ ذلك لا يعني أنها عرضة للتوظيف من إيران من أجل الحصول على معلومات استخباراتية حول إسرائيل”.


