لم يكن أحد يتوقع أن تصل إحدى أهم السلطات الثلاث التي تحكم لبنان ألا وهي القضاء الى ما وصلت إليه، فهي سلطة من أولى شروطها أنها كيان مستقل ولا تخضع إلا للقانون، أي أنها لا تخضع لسلطة سياسية، لكن هذه السلطة في لبنان باتت واقعة بين الاستقلالية المنشودة والتجاوزات السياسية المعطِلة لها.
لا شك في أن واقع القضاء في لبنان يشوبه الكثير من العيوب خصوصاً في ما يتعلق بنقطة مبدأ فصل السلطات، وهذا لم ينجح فيه لبنان لا سابقاً ولا لاحقاً بعد اتفاق الطائف، الذي لو نفذ منه بند اللامركزية الادارية لكنا ربما قطعنا شوطاً مهماً في ترتيب أمور السلطة القضائية على الأقل، من هنا ومن جوانب أخرى الجسم القضائي في حالة تخبط وعملية فصله عن التدخلات السياسية والحزبية والطائفية باءت بالفشل ولا تُذكر إلا في ندوات يؤكد فيها المتكلمون ضرورة الوصول الى قضاء مستقل.
من المؤسف القول إن القضاء اللبناني شهد الكثير من حالات التلكؤ والتقاعس وحتى التواطؤ في معظم الملفات أهمها الفساد في مؤسسات الدولة وملف أموال المودعين ما أدى الى انعدام الثقة بمعظم الجسم القضائي لنلاحظ ولأول مرة في لبنان إنقساماً بين مؤيد لهذا القاضي أو معارض لآخر، في ظاهرة لم يشهدها لبنان حتى خلال الحرب الأهلية والتي بقي فيها القضاء متماسكاً الى حد ما.
يعيش لبنان منذ ٢٠١٩ وضعاً اقتصادياً مأزوماً أدى الى خسارة أموال كثيرين في البنوك والقضاء فشل في حل هذا الموضوع، لكن ما حصل في العام التالي أي ٢٠٢٠ وهو انفجار مرفأ بيروت كان بمثابة كارثة طالت العباد والبلاد وشوّهت الوجه الحقيقي للقضاء بصورة مباشرة وواضحة، إذ إنه وبعد مرور أربع سنوات على الانفجار لم يتم البت أقله في النقاط الأساسية التالية: من خزّن المواد؟ من عرف بوجود المواد؟ من أهمل؟ وعلى من تقع المسؤولية في تلك المرحلة؟ كنا على أقل تقدير قدمنا عذرنا أمام عوائل الشهداء والمصابين، ويثبت القضاء أنه يمشي في طريق مستقيم أمام لحظة تاريخية غيّرت وجه مدينة بكاملها.
في سياق القضية والتحقيق بما جرى، وبعد مرور أربع سنوات لا تزال الحقيقة مجهولة بشأن المتسبب والسبب الحقيقي وراء انفجار مرفأ بيروت، وكانت السلطات اللبنانية عزت الانفجار إلى اندلاع حريق لم تُعرف أسبابه، في المرفأ الذي جرى فيه تخزين كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم من دون إجراءات وقائية.
التحقيق في القضية توقف في العام ٢٠٢١ عقب أكثر من ٤٥ دعوى ضد قاضي التحقيق طارق البيطار، قدمها سياسيون ومسؤولون مدعى عليهم في القضية، على أساس التشكيك بأداء القاضي، ثم عاد البيطار في ٢٠٢٣ لاستئناف التحقيق فأخلى سبيل ٥ موقوفين وادعى على ٨ آخرين بينهم النائب العام التمييزي آنذاك غسان عويدات، ليقرر الأخير ملاحقة البيطار قضائياً بتهمة التمرد على القضاء واغتصاب السلطة. وعلى الرغم من إحالة عويدات على التقاعد لم يتحرك الملف حتى بعد تعيين النائب العام التمييزي الجديد جمال الجراح.
القاضي البيطار وفي الذكرى الرابعة كان له تصريح لافت، إذ أكد أنه مصمم على السير بالتحقيق في هذه القضية قريباً، تمهيداً لإصدار القرار الاتهامي قبل نهاية العام وذلك بالتنسيق مع النائب العام التمييزي، لكن السؤال الكبير هل ستُطلق يد القاضي البيطار في تحقيقاته وهو المصر على السير بملفه قدماً على الرغم من كل ما جرى، ليبصر القرار الظني النور خلال أشهر؟ أهالي الضحايا يطالبون بالعدالة والحقيقة وهم توقعوها قبل حلول الذكرى الرابعة، ويعتبرون أن الجريمة الثانية من بعد جريمة 4 آب هي عرقلة التحقيق، لديهم كل الأمل بالقضاء اللبناني لكنهم يعرفون أيضاً أنهم سيظلمون القضاء إذا طلبوا منه أن يحكم في هذا الملف.
صعبة وثقيلة هذه القناعة لدى أناس فقدوا أعز عزيز، وصعب أيضاً على قضاء لم يعرف الانفصال أن يعطي كلمته في جريمة سبقتها جرائم بفظاعتها خسرتنا الرجال الرجال.


