بلال الحسن: الحرية في خدمة فلسطين

محمد علي فرحات

يلتقي السياسي والصحافي معاً في ثقافة بلال الحسن وأدائه العملي، فهو ابن عائلة فلسطينية بارزة في مجتمعها وحاضرة في مؤسسات النضال، خصوصاً منظمة التحرير، وليس غائباً عن الذاكرة أداء شقيقيه خالد الحسن وهاني الحسن.

وهو أيضاً ابن تاريخه الشخصي الذي يميل قليلاً الى اليسار في انتمائه المبكر الى حركة القوميين العرب وفي أدائه الصحافي الأول في مؤسسات قريبة من تلك الحركة، خصوصاً جريدة “المحرر” ومجلة “الحرية” (كان يرأس تحريرها محسن ابراهيم ومن العاملين فيها طلال سلمان، كما عمل رفيق الحريري أيضاً لفترة وجيزة في مقتبل عمره وقبل سفره الى المملكة العربية السعودية).

وأتيح لبلال الحسن أن يصدر الجريدة اللبنانية الأولى عربياً (“السفير” في بيروت مع صاحبها ومؤسسها طلال سلمان) والمجلة الأسبوعية الأشهر عربياً “اليوم السابع” (في باريس مع كوكبة من الكتاب والصحافيين من مشرق العالم العربي ومغربه).

ومع هذين الاصدارين المميزين استكمل بلال الحسن رسم صورته كصحافي ناجح ليس في الكتابة وحسب، وانما أيضاً في الادارة الصحافية التي تبث الحيوية في الانتاج الصحافي وتحفظ الجريدة أو المجلة من الغرق في الروتين أو في البروباغندا التي تطرد القراء.

وكانت “السفير” تجربة فريدة في الصحافة اللبنانية إذ قاد عملية تأسيسها صحافيون محترفون ومتمرسون هم: طلال سلمان وبلال الحسن ومحمد مشموشي، ولاحقاً المصري مصطفى الحسيني. أما باقي الجسم الصحافي في “السفير” فقد ضم طلاباً جامعيين مسيّسين ومثقفين مجرّبين في الكتابة، بعضهم كان تخرج حديثاً من الجامعة والبعض الآخر كان في السنة الأخيرة أو السنتين الأخيرتين من دراسته. ومن أبرز هؤلاء جوزيف سماحة وحازم صاغية وراشد فايد وجورج ناصيف وساطع نور الدين، وانضم اليهم لاحقاً عشرات من الشبان والشابات اللبنانيين المتحمسين لتجديد الكتابة الصحافية العربية، وبذلك استطاعت “السفير” بعد مرور أقل من سنة على اصدارها أن تتنافس مع جريدة “النهار” العريقة على الأولوية في المبيع لبنانياً وعربياً.

وفي باريس أسس الحسن المجلة الأسبوعية “اليوم السابع” وعاونه في التحرير جوزيف سماحة وقدم الدعم المادي ياسر عرفات، وقد ساهم في الكتابة فيها أعلام عرب أبرزهم: محمود درويش، اميل حبيبي، أنور عبد الملك، محمد الباهي، صلاح محمد ابراهيم، ابراهيم العريس، بيار أبي صعب وبرهان غليون.

وبعد توقف “اليوم السابع” عن الصدور عام ١٩٩١، عمل بلال الحسن لفترة في جريدة “الحياة” في لندن كما كتب في جريدة “الشرق الأوسط” ثم توقف عن الكتابة وأمضى شيخوخته في بيته في باريس.

وأعطى الحسن المكتبة العربية ثلاثة مؤلفات هي: “قراءات في المشهد الفلسطيني” (عام ٢٠٠٨ والناشر “المؤسسة العربية”)، “ثقافة الاستسلام” (عام ٢٠٠٥ دار رياض الريس)، “الخداع الاسرائيلي: مفاوضات كامب دايفد وتوابعها (عام ٢٠٠٣ “المؤسسة العربية”)، فضلاً عن مقالات في الصحف والمجلات التي عمل فيها، وما نشر في منابر أخرى مثل “مجلة الدراسات الفلسطينية”.

وفي تقييم عام لتجربة بلال الحسن يمكن القول انه وازن بين الانتماء السياسي (قضية فلسطين والعدالة في العالم) والانتماء الصحافي (الأمانة في نقل الخبر والفصل بينه وبين التحليل أو ابداء الرأي)، لكنه في الأحوال كلها بقي أميناً للقضية الفلسطينية العادلة وحرص على وضعها في المرتبة الأولى من اهتماماته.

واذا استثنينا “اليوم السابع” فان عمل الحسن الصحافي تركز في بيروت حيث اعتبر واحداً من الاعلام العرب الذين ساهموا في إنعاش الصحافة اللبنانية. هكذا يقدم بلال الحسن شهادة على كون بيروت لفترة مديدة من تاريخها الحديث عاصمة للصحافة العربية، بالاستناد الى أجواء الحرية التي تسودها والى كونها بالتالي متنفساً للتعبير السياسي والثقافي العربي المنفتح. وهنا نذكر من باب الدعابة كلام الرئيس اللبناني شارل حلو لدى استقباله رؤساء تحرير الصحف اللبنانية قائلاً: أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان.

رحم الله الصديق بلال الحسن.

شارك المقال