متمرد في مقاعد المتفرجين: لا لحكم الفرد

عبد المنعم مصطفى

كنت أستعد في صيف العام ١٩٦٦ للانتقال الى المرحلة الثانوية، ومعي اثنان من رفاق المرحلة الاعدادية، أحدهما أحمد محمد حسن رمزي، والثاني رفعت هيكل، كلاهما كان لديه اهتمام بالصحافة، واستمتاع بممارستها، اتفقنا ثلاثتنا على إصدار صحيفة أسبوعية تحمل اسم “صوت الشعب”، بدأنا بدفع أقساط المشاركة في تكاليف الطباعة والإصدار، كانت مساهماتنا بضعة قروش أسبوعياً، وكنا نحتاج الى مقر نعمل منه، فلما تعذر علينا الأمر توافقنا على أن نجتمع داخل عربة ترام كانت تنتظر دائماً بمخزن آخر خط ترام المبيضة، بالضبط أمام باب “مدرسة روض الفرج الثانوية” التي التحقنا بها نحن الثلاثة.

استمرت الاجتماعات، والمناقشات، واستمر دفعنا لتحويشة الإصدار الأول، وما ان جد الجد وبدأنا بالبحث عن مطبعة، حتى تلقينا الصدمة الأولى، فقد طالبنا صاحب المطبعة، بتصريح وزارة الإرشاد القومي، وبموافقات الجهات الأمنية، وتبين لنا ساعتها أننا ما نزال قصّراً بنظر القانون، وأن الصحف لا تصدر بمجرد الإخطار. انفض تجمعنا الثلاثي، وقمنا برد مبالغ المساهمات التي قدمناها، وعاد كل منا الى نسج حلم منفرد، بلغ كل منا فيه محطة مختلفة، فقد أصبح أحمد رمزي محاسباً بشركة “مصر للتأمين”، بينما أصبح رفعت هيكل طبيباً، وتمكنت أنا من اللحاق بقطار الصحافة في الوقت بدل الضائع.

تجربة قاعة اجتماعات عربة الترام، انتقلت معي في مرحلة لاحقة عقب انتهاء حرب أكتوبر، الى مقر صغير بإحدى شقق المساكن الشعبية في شبرا، فقد حاولت مع بعض الأصدقاء بمنظمة الشباب تأسيس ما أسميناه “نادي الكتاب”. كانت لقاءاتي بالشباب أثناء حرب أكتوبر وبعدها قد كشفت فداحة جهل الأجيال الصاعدة، وكنا نعتقد أن تسهيل فرص الشباب في الحصول على الكتاب ثم خوض مناقشات لاحقة حول ما حواه من أفكار ومعلومات، قد يكون أمراً مفيداً، لكن مشروع “نادي الكتاب”، جرى إجهاضه، بسبب مخاوف أمنية، وضعت العراقيل أمام شباب كان أكبرهم سناً في الثالثة والعشرين من عمره.

بلغ الاحباط ذروته عندي، بعدما تعرضت بيوت بعض أصدقائي لمداهمات أمنية خشيت معها أن أكون على قائمة الانتظار، وفي احدى الليالي، وبينما نخوض منافسات الشطرنج في مقهانا المعتاد، أخبرني أحد الشباب أن منزل صديق لنا قد تعرض لمداهمة أمنية، بسبب موقفه الى جانب النائب أحمد طه، الذي جرت محاولات لحرمانه من خوض الانتخابات النيابية، واحتجازه بتهمة التخابر مع سفارة بلغاريا، لكنه فاز في الانتخابات على الرغم من احتجازه، وأطلق سراحه لاحقاً.

عدت مسرعاً الى بيتي لاخلائه من أية كتب أو أوراق قد يعتبرها المداهمون دليل ادانة بأي تهمة، جمعت عشرات الكتب والأوراق والمذكرات وأودعتها في صناديق واستعنت بصديق أخي الأصغر ليحملها الى منزله ريثما تنحسر تلك الموجة. لم تكن لدي أدنى مخاوف في ما يتعلق بشخصي، لكن أكثر ما كان يروعني هو الأثر المحتمل بالنسبة الى والدي ووالدتي بصفة خاصة.

لم أكن قد اشتغلت بالسياسة، أو انخرطت ضمن أي فصيل سياسي، فقد حملتني سنوات عبد الناصر الى مقاعد المتفرجين، كنت حريصاً على المشاركة في استفتاءات اختيار الرئيس، وكنت أحتفل بقدرتي على أن أقول “لا”، لم أكن أريد ازاحة السادات، لكنني كنت أريد أن يعرف الرجل أن تفويضه بالحكم ليس مطلقاً وأن ثمة من لا يعجبه بعض ما يجري.

وما زلت أذكر أول انتخابات برلمانية تعددية، أجريت في مصر في أعقاب كامب ديفيد، وكنتيجة لها، كان حزب الوفد والتجمع وحزب مصر يخوضون تلك الانتخابات البرلمانية لأول مرة، وفي يوم التصويت، جلست وصديقي عبد العظيم حمّاد رئيس تحرير “الأهرام” الأسبق ومعنا والدي في صالون بيت الأسرة بشبرا، اتفق أبي ومعه عبد العظيم حمّاد على أنهما سيصوتان لصالح حزب الوفد بزعامة فؤاد باشا سراج الدين، كخيار ليبرالي يفتح الباب مستقبلاً أمام انفتاح سياسي واقتصادي حقيقي، بينما قلت أنا انني سأصوت لصالح حزب التجمع اليساري الذي كان يتزعمه خالد محي الدين، معتبراً أن حصول حزب التجمع على عدد مناسب من مقاعد البرلمان من شأنه افساد صفقات طبيخ السياسة الفاسد، أو فضحها على الأقل، كنت أريد حالة سياسية لا تسمح لرئيس الدولة بالانفراد بالقرار أو بالاستفراد بمقدرات الوطن.

ما كنت أخشاه، هو ذاته ما أثار حرجاً بالغاً لرئيس الوزراء المصري د. مصطفى خليل الذي خاض في عام ١٩٧٨ مفاوضات مريرة مع مناحيم بيغين رئيس الحكومة الاسرائيلية سبقت محادثات كامب ديفيد، فقد أصر بيغين على سؤال د. مصطفى خليل، باسم من تتفاوض معي ومن الذي فوضك؟ أنت رئيس وزراء بقرار من الرئيس السادات، وأنا رئيس وزراء بقرار من شعب اسرائيل… أريد أن أتفاوض مع شخص مفوض من شعبه!

ما قاله بيغين لمصطفى خليل كان موجعاً بحق، ولهذا فقد كنت أتطلع دوماً الى حكومة مصرية تحمل تفويضاً شعبياً مقيداً، لا مفتوحاً من دون قيود أو ضوابط.

يقيني الراسخ بأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وأن مهمة السياسة هي لجم شطحات السياسي، وضبط إيقاع حركته، كان وراء صدامي مع بعض قيادات العمل السياسي، خلال تجربة قصيرة مطلع عام ١٩٧٤ عملت خلالها موجهاً سياسياً بمنظمة الشباب الاشتراكي.

علاقتي بمنظمة الشباب بدأت متأخراً جداً، فما ان اندلعت حرب أكتوبر حتى توجهت الى مقر الاتحاد الاشتراكي في قسم الساحل بشبرا، بقصد التطوع للقتال، وهناك التقيت بأمين الدعوة والفكر الذي كان يلتقي راغبي التطوع. كان اسمه الأستاذ فؤاد السرطاسي، نحيل، غزا الشيب رأسه، يدخن بشراهة ومن دون توقف تقريباً. تحاور معي الرجل حول دوافعه، وسأل عن تقديري للموقف السياسي والعسكري. كانت الحرب في يومها الثاني ٧ أكتوبر١٩٧٣، وبعد نقاش معمق، قال لي الرجل بالحرف الواحد: “نحتاج إليك هنا معنا، لتحاور مئات الشباب الذين حملتهم أحداث الحرب الى مقر أمانة الاتحاد الاشتراكي بقسم الساحل”.

لم أكن أعرف طبيعة المهمة التي يحدثني عنها فؤاد السرطاسي، لكنه قال لي: “لديك مهارات جيدة في الحوار والقدرة على الاقناع، وهذا ما نحتاج اليه الآن”.

أرسلني السرطاسي الى أمين الدعوة والفكر بشياخة البراد (إحدى الوحدات التابعة لقسم الساحل) الذي دعاني الى مشاركته لقاءً بالشباب عند حلول مساء الثامن من أكتوبر. وفي أثناء اللقاء، فوجئت بهذا الرجل (لا أتذكر اسمه للأسف) يقول للشباب: “اننا نحارب كياناً مصطنعاً، متخلفاً وعاجزاً، نحن أكثر منه عدداً، وأقوى منه عتاداً، واننا قادرون في هذه الحرب على استئصال اسرائيل مرة واحدة والى الأبد”.

استفزني حديث الرجل الذي علمت أنه ناظر مدرسة ابتدائية، رفعت يدي طالباً الكلمة، وقلت له ان التهوين من شأن العدو لا يقل خطراً عن التهويل بقدراته، وان الحقيقة وحدها، والمعلومات الدقيقة، هي أقصر الطرق للإقناع. أبدى الرجل ضيقاً وتبرماً بما وصفه بأنه “فلسفة ليس هذا مكانها” لكن الشباب في القاعة وكان أغلبهم من طلاب الجامعات وأكثرهم يدرسون في “كليات القمة” احتجوا وحملوني من مقعدي الى المنصة بجوار الرجل، وقال أحدهم: “مكانك هنا على المنصة”، بينما صادق آخرون على قوله.

كانت اللحظة بالنسبة لي كاشفة لأمرين، الأول: أن شبابنا أكثر استنارة ممن يفرضون عليه وصاية بالفكر أو بالقمع. والثاني: أنني أنا نفسي لم أكن أعرف عن نفسي، قدرة على محاورة المجاميع والتأثير في أفكارهم. اكتشفت أن فؤاد السرطاسي ربما اكتشف عندي ما لم أكن قد اكتشفته أنا بنفسي.

بعد نحو أسبوعين، وفي خضم أصعب أيام الحرب بعد ثغرة الدفرسوار، بينما كانت القاهرة تغرق في الظلام الدامس، زار أمين الاتحاد الاشتراكي بقسم الساحل عضو مجلس الشعب محمد رأفت زكي مقر شياخة البراد، وشهد أحد لقاءاتي بالشباب، وفي ختام اللقاء سألني عن وجهتي الليلة عارضاً توصيلي بسيارته “فيات ١٢٤”، الى حيث أقصد. قبلت عرضه بسرور، وما ان تحركت السيارة، حتى حدثني رأفت زكي عن حاجته الى خدماتي مع أمانة الشباب بقسم الساحل (أي في المستوى التنظيمي الأعلى)، رحبت بعرضه، وتوجهت صباح اليوم التالي الى مقر المكتب قرب ميدان الخلفاوي في شبرا، وهناك أوكلت الي مهام التثقيف مساعداً للأستاذ منير المغربي وهو مهندس مساحة كان مسؤولاً عن تثقيف الشباب على مستوى القسم.

كان منير المغربي إنساناً رقيقاً وفناناً فريداً يجيد النحت في أقسى الصخور بدقة فائقة، لم يكن يأخذ المشهد السياسي المصري على مأخذ الجد. كان موظفاً في هيئة المساحة بالدقي، وكان لديه تفرغ سياسي، يعمل بموجبه مسؤولاً للتثقيف عن دائرة قسم الساحل بمنظمة الشباب، لم يرني مزاحماً له ولا منافساً على موقعه، وحين تأكد من أن لدي ما أقدمه للشباب، بفكر مختلف، وبانفتاح لم يجرؤ عليه كثيرون قبلي، انتحى بنفسه جانباً تاركاً المجال كاملاً لي. كان معجباً بأدائي، حتى أنه نصحني ذات يوم بأن أمشي متئداً، في غير عجلة، حتى يتناسب إيقاع خطاي مع ما اعتبره هو عمقاً في الفكر، ورصانة في التعبير عنه!

لم أكن سعيداً منذ صباي، بطبيعة الخطاب السياسي ذي النفس التعبوي، فقد نأيت بنفسي طول الوقت عن التنظيم الأوحد بعد ثورة يوليو، ولم يكن يخامرني أدنى شك لدى مروري بمقر الاتحاد الاشتراكي بشياخة البراد أو بقسم الساحل، أو حتى في الأمانة العامة التي احترقت أثناء أحداث ثورة يناير ٢٠١١، أن مهمة هذا الجهاز ليست المشاركة في صناعة السياسة، وانما الترويج لسياسات الحكم، مهما كانت انحيازاتها. وهو ما استمر للأسف لعشرات السنين، بعد إقرار تعددية سياسية وهمية.

لكن حرب أكتوبر هي التي أسقطت كل الحواجز بيني وبين التنظيم السياسي الأوحد، فقد تبين لي وقتها أنه القناة الوحيدة للمشاركة في أي مجهود سياسي أو شعبي لدعم مصر في الحرب، وهكذا، بانتقالي الى أمانة التثقيف، جرى ترشيحي لما أسموه “دورة نشطاء” بمركز شباب الجزيرة، وعلى مدى أسبوعين في هذه الدورة تلقينا محاضرات وشهدنا حلقات نقاشية، انتهت بترشيحي لمستوى أعلى “دورة اعداد موجهين سياسيين” بمعهد حلوان الاشتراكي تمكنت من اجتيازها، لأصبح واحداً من بين ستة عشر موجهاً سياسياً تخرجوا من هذه الدورات.

شاركت بعد ذلك في معسكرات للشباب في أبو قير، ودمنهور، قبل أن أصبح موجهاً في معهد حلوان الاشتراكي الذي تخرجت منه، وفي هذا المعهد شاركت في العديد من الدورات كنت ألتقي فيها بنخب من شباب مصر (أغلبهم كان أكبر مني سناً) لكنني تمردت على المنهج الذي ألزمتنا به أمانة الشباب المركزية في شارع حسن صبري بالزمالك.

كان د. عبدالحميد حسن قد شارك مع بعض مسؤولي التثقيف، في انتاج كتاب يحمل عنوان “السادات ومسؤوليات البناء والتحرير” والكتاب كما يبدو من عنوانه يروج لرؤية زعيم فرد، من حقك أن تقبلها أو تختلف معها، وما حدث هو أنني اختلفت مع هذه الرؤية، ورحت أدرب طلابي داخل الحلقات النقاشية على التفكير المستقل، وهو ما لم يرق للقيادات في أمانة التثقيف المركزي بالزمالك، كانت لهم عيونهم داخل الحلقات النقاشية، وكانوا يراقبون ما يجري داخلها.

جرى استدعائي، وزميل آخر كان يعمل صحافياً ينتمي الى أسرة دياب بمنية سمنود، كان اسمه شوقي دياب، وجرى اعتقالنا ليلة كاملة في مقر فيلا التوجيه السياسي بمعهد حلوان الاشتراكي، وقرب منتصف الليل، وصل المحققون من الزمالك داخل مرسيدس سوداء أسدلت الستائر على نوافذها.

أراد المحققون اتهامنا بالتحريف والترويج لأفكار هدامة، كانوا موظفين جاؤوا لأداء مهمة، وكان من السهل تحدي تصوراتهم وإقناعهم بعكسها، وهو ما حدث بالفعل، فتقرر في نهاية الاستجواب، منعنا من الاحتكاك المباشر بالشباب، ونقلنا الى أمانة التثقيف المركزي بالزمالك، نكتب دراسات ومقالات عن موضوعات مختارة، كان من المفترض أن تكون مرجعاً للموجهين السياسيين في عملهم داخل حلقات النقاش، غير أن الحقيقة كانت أن ما نكتبه، ونطبعه، ظل حبيس الأدراج الى أن تم حل منظمة الشباب بقرار من الرئيس السادات.

شارك المقال