السدود والإسناد

الراجح
علم لبنان

واقعنا اليوم أخطر بكثير من الحرب في حال اندلاعها على مستوى أكبر وأشمل، لكنه حال قديم جديد. فالانقسام العمودي الحاد، الّذي نشأ بحكم تبني مواقف متعارضة، ليس ظاهرة جديدة بل تمتد جذوره إلى خمسينيات القرن الماضي حول “العروبة” الّتي واكبت ظاهرة الرئيس جمال عبد الناصر، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية محدودة عام 1958، وتعمّق أكثر مع تصاعد دعم المقاومة الفلسطينية، ما أدى إلى اشتعال حرب 1975 والتي توقّفت ولم تنتهِ باتفاق الطائف الذي حاول وضع حدّ لها.

فبعد التحرير عام 2000، عاد الاستقطاب السياسي حول “المقاومة” لتحرير الجنوب وامتد وتعمّق من دون أن يؤدي إلى حرب أهلية هذه المرّة لكنه استمر في التأثير على الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان. فهو تشظٍّ سياسي لا ينتهي بل يتوقف عند محطات مفصلية كلحظة دخولنا حرب تموز عام 2006 التي خيضت تحت عنوان كاذب اسمه “التضامن”، أو ما يسمونه في علم السياسة “الجبهة الداخلية” والّتي انقسمت مجدّداً، وبشكل حاد عمودياً، بعد ما جرى من عمليات اغتيال لقادة 14 آذار والتي بدأت في 14 شباط باغتيال ما اتُّفق على تسميته “الحلم اللبناني” رفيق الحريري.

استمرّ الانقسام في التّفاقم بعدما انخرطت “المقاومة” في اللعبة الداخلية حيث أخذت من سلطتها على القرار السياسي الداخلي طريقاً إلى الحرب السورية وظهور ما يسمى بـ”محور الممانعة” والذي أنتج وحدة الساحات. هذا الأمر دفع “المقاومة” الى حرب الإسناد الحالية وكأنها وبكل ضراوتها في غزة وفي الجنوب اللبناني “الشعرة التي قصمت ظهر البعير”. هذه الأحداث، التي استأثرت من مكنونات الوعي الجمعي اللبناني مخاوفه وهواجسه، لا بل كوابيسه، أخرجت إلى سطح المجتمع أساطير وعصبيات، ما دفع البعض الى الترويج للفيدرالية وآخرين إلى التقسيم الكامل. الأخطر من ذلك كلّه، كان ولا يزال الرهان على العدو للخلاص من الخصم الداخلي.

هذه المفاهيم المتطرّفة وهذا التشظي السياسي الحاد أخطر بكثير من الحرب الدائرة، خصوصاً في غياب قوى سياسية تحمل مشروعاً وطنيّاً واضحاً ورؤية للخلاص، وفي كلتا الحالتين، سواء انتصر المحور أو هُزم، فإن مصير الجمهورية سيكون على المحك لأن ما نحن فيه وفي حال انتصار “المحور” نهاية “الجمهورية”؛ أما في حال الهزيمة، فنهاية لـ”الجمهورية”.

في غياب قوة سياسية تقرن إرادتها بقوتها، ومعرفتها بسلوكها السياسي للخروج من محطات التعب والفشل واليأس، سيطول الوقوف في هذه المحطات وستطول معاناة الشعب! وبينما يتواصل مسلسل القتل والدمار في غزة، وتتوالى الجرائم بحق المدنيين العزل، كان آخرها استهداف “مدرسة التابعين”، بعد سلسلة المدارس الستة الأولى، يتساءل الجميع، في ظل هذا التصعيد الخطير، عن دور حركة “حماس” التي لا ترى الخارطة الكونية ولا دولها المتفرجة على دم الفلسطينيين المستباح وأجسادهم المتناثرة في باحات غزة ومدارها.

في عالم شديد الهشاشة وميدان عاجز عن المواجهة والضغط على الاحتلال لوقف المحرقة، وفي ظل جبهات إسناد غير قادرة على دفع العدو الى مراجعة حساباته، وأمام القوة المتواضعة لحركة “حماس” الآن والّتي لم تعد تعني إلاّ شيئاً واحداً وهو إعطاء الاحتلال الاسرائيلي الهمجي ذريعة لمواصلة عدوانه، أرى أن الحل الأمثل للخروج من هذا المأزق يكمن في دعوة حركة “حماس” إلى عقد اجتماع طارئ يضم الفصائل والمكونات السياسية الفلسطينية كافة- بعيداً عن نمط لقاء “الصين”- وذلك بهدف التوصّل إلى إعلان جماعي عن تخلي حركة “حماس” عن حكم قطاع غزة لصالح حكم مدني يتفق عليه الفلسطينيون. هذا الاجراء من شأنه أن ينزع عن إسرائيل وحلفائها المبرر لاستمرار العدوان والحصار، ويفتح الباب أمام مفاوضات جادة للتوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية وإلى صفقة كليّة تشمل الأسرى والانسحاب من قطاع غزة وفك الحصار عن الضفة الغربية.

أعلم أن البعض بل الكثيرون سيقولون إن هذا خيار المهزومين، إلا أن الخيارات الأخرى أكثر هزيمة لأن المطلوب هو وقف الإبادة وتدارك ما يمكن تداركه، علماً “أن القوي ليس من يكسب الحرب إنما الضعيف من يخسر السلام دائماً”.

شارك المقال