شروط نتنياهو الاضافية وخلافاته الداخلية تفشل المفاوضات؟

زياد سامي عيتاني
نتنياهو وغزة

تستضيف الدوحة جولة جديدة من مفاوضات وقف النار في قطاع غزة، بمشاركة أميركية إسرائيلية رفيعة المستوى، ويفترض أن يحضرها أيضاً ممثلون عن الحكومتين المصرية والقطرية الوسيطتين إلى جانب واشنطن، ومن المقرر أن يسافر مبعوث البيت الأبيض الخاص للشرق الأوسط بريت ماكغورك إلى مصر لإجراء محادثات بشأن الوضع على الحدود قبل الانضمام إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA ويليام بيرنز في الدوحة. أما حركة “حماس” فأعلنت أنها أبلغت الوسطاء بعدم ارسال وفد إلى المفاوضات، وحثتهم على البحث في آلية تطبيق الورقة الأخيرة التي توافقت عليها معهم في الثاني من تموز الماضي، لكن مسؤولاً مطلعاً على المحادثات أعرب عن إعتقاده أن الوسطاء يتوقعون التشاور فيما بعد مع الحركة، التي أكدت أن “الشروط الجديدة التي قدمها نتنياهو غير مقبولة، ونحن قدمنا أقصى ما لدينا عندما وافقنا على الورقة الأخيرة، وأي مرونة أخرى تتحول إلى استسلام”.

في المقابل، أعلن مكتب نتنياهو مغادرة وفد إسرائيلي لحضور مفاوضات الدوحة الخميس، في حين ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الوفد يضم كلاً من رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الاسرائيلية (الموساد) ديفيد برنياع ورئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) رونين بار ومسؤول ملف الأسرى الجنرال نيتسان ألون. وعلى الرغم من تجاوب إسرائيل مع مطلب استئناف المفاوضات، إلا أن نتنياهو مصر على عدم التنازل عن الخطوط الحمر في المقترح الأخير الذي قدمته إسرائيل. وفي هذا الاطار، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن نتنياهو أضاف شروطا جديدة الى مفاوضات صفقة التبادل مع المقاومة الفلسطينية. وذكرت الاذاعة الإسرائيلية أن رئيس الوزراء يطالب بمعرفة أسماء “المختطفين” الـ33 الذين سيُفرج عنهم في المرحلة الأولى من الصفقة، وحق الاعتراض على الإفراج عن أسماء الأسرى الفلسطينيين الوازنين في هذه المرحلة. كذلك تطالب إسرائيل بزيادة عدد الأسرى الاسرائيليين الأحياء الذين سيتم إطلاقهم، على أن يعود القرار إليها في تحديد وتعريف من منهم ضمن الإفراج الإنساني. وتطالب بترحيل الأسرى الفلسطينيين ممن يقضون أحكاماً عالية، والذين ستشملهم الصفقة إلى خارج القطاع، وبالسيطرة على “محور فيلادلفيا” وضمان عدم بقاء “حماس” في معبر رفح، فيما أن كلمة “آلية الإشراف” لم تكن ضمن نص مطالبها، بينما ورد فيها أن منع انتقال المسلحين إلى شمال قطاع غزة سيتم ضمانه بشكل متفق عليه بين الطرفين.

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن نتنياهو نفى على مدار أسابيع، محاولته عرقلة اتفاق غزة، في حين دأب على تحميل “حماس” مسؤولية وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، على الرغم من اتهام كبار أعضاء المؤسسة الأمنية الاسرائيلية له “بإبطاء” عملية التفاوض. ونقلت عن وثائق غير منشورة تُفصّل مواقف إسرائيل التفاوضية، أن الأخيرة سلّمت قائمة من الشروط الجديدة في أواخر تموز الماضي إلى الوسطاء الأميركيين والمصريين والقطريين، كاشفة أن فيها شروطاً “أقل مرونة” إلى مجموعة من المبادئ التي وضعتها في تموز.

وكان الرئيس الأميركي جو بايدن، طرح خطة لوقف إطلاق النار من 3 مراحل، قال إن إسرائيل اقترحتها، وتحاول الولايات المتحدة والوسيطان مصر وقطر منذ ذلك الحين التوصل الى اتفاق في غزة، مقابل إطلاق سراح المحتجزين. ولكن الوثائق التي راجعتها “نيويورك تايمز”، وتأكدت من صحتها مع مسؤولين إسرائيليين وأطراف أخرى مشاركة في المفاوضات، أظهرت أن المناورات التي تمارسها حكومة نتنياهو خلف الكواليس كانت “مكثفة وهائلة”، مشيرة إلى أن الاتفاق ربما يكون “بعيد المنال” في جولة المفاوضات الجديدة. وقالت “نيويورك تايمز” إن أحدث وثيقة قُدمت إلى الوسطاء قبل فترة وجيزة من انعقاد قمة روما في 28 تموز، أشارت، من بين شروط أخرى، إلى ضرورة أن تبقى الحدود الجنوبية لغزة تحت سيطرة القوات الاسرائيلية، وهو شرط لم يكن مدرجاً في المقترح الاسرائيلي المقدم خلال أيار الماضي. كما كشفت الوثيقة عن “مرونة أقل” بشأن السماح للفلسطينيين النازحين بالعودة إلى منازلهم في شمال غزة بمجرد توقف القتال. ونقلت الصحيفة الأميركية عن مسؤولين بارزين قولهما، إن أعضاء في فريق التفاوض الاسرائيلي يخشون أن تتسبب شروط نتنياهو في إفشال التوصل الى صفقة مع “حماس”.

يذكر أن فريق التفاوض الإسرائيلي أضاف في 27 تموز، “5 شروط جديدة” إلى الخطوط العريضة للاتفاق التي كان اقترحها قبل شهرين، في 27 أيار. وكانت إحدى الإضافات الأكثر إثارة للجدل هي إدراج خريطة تشير إلى بقاء المنطقة الحدودية بين غزة ومصر، المعروفة باسم “محور فيلادلفيا”، تحت السيطرة الاسرائيلية. وعلى النقيض من ذلك، تضمن اقتراح اسرائيل مغادرة قواتها المنطقة الحدودية، وتعهد بـ”انسحاب القوات الاسرائيلية شرقاً بعيداً عن المناطق المكتظة بالسكان على طول الحدود في جميع مناطق قطاع غزة”. وتضيف نقطة الخلاف الرئيسية الثانية تعقيداً جديداً إلى طريقة عودة الفلسطينيين النازحين إلى بيوتهم في شمال غزة خلال وقف إطلاق النار.

وعلى مدى أشهر قالت إسرائيل إنها لن توافق على وقف إطلاق النار إلا إذا تمكن جنودها من تفتيش الفلسطينيين العائدين بحثاً عن أسلحة أثناء انتقالهم من جنوب غزة إلى شمالها. وبعد ذلك، خففت إسرائيل من حدة هذا المطلب. وبينما لا تزال ورقة موقفها تنص على أنه “لا يجب أن يحمل العائدون سلاحاً لدى عودتهم”، إلا أنها أزالت الشرط الصريح بأن تقوم القوات الاسرائيلية بتفتيشهم بحثاً عن الأسلحة، ما جعل هذا الإجراء يبدو “رمزياً أكثر منه قابلاً للتطبيق”. وخلال الأسابيع الأخيرة أشار نتنياهو إلى أن “من المقبول أن تسعى إسرائيل إلى منع حماس من إعادة بناء معاقلها العسكرية في شمال غزة”. وفي 4 آب اتهم حركة “حماس” بأنها “غير مستعدة للسماح بأي آلية للتفتيش ومنع الذخيرة والارهابيين من المرور إلى شمال قطاع غزة”، مضيفاً أن الحركة تقوم بذلك كله لأنها تريد “التعافي وإعادة البناء وعدم العودة إلى تكرار مذبحة 7 أكتوبر المرة تلو الأخرى”. ويتفق كبار المسؤولين الاسرائيليين المطلعين على المفاوضات الأخيرة، وأيضاً قادة قوات الأمن الاسرائيلية من حيث المبدأ مع نتنياهو على أن من الأفضل المحافظة على نقاط التفتيش لفحص الفلسطينيين بحثاً عن أسلحة، ولكنهم يعتقدون أيضاً أن هذه المسألة لا تستحق تأجيل التوصل إلى اتفاق، ويريدون من نتنياهو أن يتراجع قبل الاجتماع المقرر الخميس، حتي يتم إطلاق سراح الأسرى بأسرع وقت ممكن.

وإزاء عرقلة نتنياهو لجولة المفاوضات المرتقبة قبل انعقادها، برزت خلافات داخل الحكومة العسكرية بشأن مقاربة موضوع المفاوضات. فخلال اجتماع مغلق للكنيست، قال وزير الدفاع الاسرائيلي يوآف غالانت: “إن إسرائيل هي سبب تأخير إبرام صفقة إعادة المختطفين”، مضيفاً: “ان الحديث عن انتصار مطلق محض هراء”. وأكد أن “واجبنا هو تهيئة الظروف لإعادة المحتجزين من خلال ضغط عسكري وصفقة حتى لو كانت على أكثر من مرحلة”، معتبراً أن “إسرائيل في مفترق طرق إما التسوية وصفقة تبادل أو التصعيد”. ورد مكتب نتنياهو على غالانت بالقول: “عندما يتبنى غالانت الخطاب المناهض فإنه يضر بفرص التوصل الى صفقة، وكان عليه مهاجمة (يحيى) السنوار الذي يرفض إرسال وفد الى المفاوضات ولا يزال العائق أمام الصفقة”. وأشار المكتب الى أن “أمام إسرائيل خيار واحد هو تحقيق النصر وتوجيهات رئيس الوزراء هذه ملزمة للجميع بمن فيهم غالانت”.

وفي السياق نفسه، نقلت “القناة 12” عن مقربين من نتنياهو أن الأخير لا يفكر حالياً في إقالة غالانت على الرغم من الخلاف. كما نقلت “يديعوت أحرونوت” الاسرائيلية عن مقربين من رئيس الحكومة أنه لا يتأثر بالانتقادات، ويدرك أنه لا يمكن إقالة غالانت في الحرب. وكشفت القناة أن نتنياهو حاول، خلال الأيام القليلة الماضية، أن يستطلع مواقف شركاء حكومته بشأن صفقة تبادل الأسرى، وأن وزير الأمن إيتمار بن غفير أبلغه أن الصفقة المطروحة غير مقبولة وأنه سينسحب من الحكومة في حال إقرارها. وأشارت القناة إلى أن نتنياهو يأخذ في الاعتبار احتمال أن ينسحب بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش من توليفة الحكومة الحالية. وأعرب الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية عاموس يدلين عن استيائه من سياسة رئيس الحكومة، معتبراً أنه كان يتوجب أن يكون مثل هذا اللقاء والتفاؤل الكبير للصفقة قبل ثلاثة أشهر على الأقل، وألا يأتي في ذروة تصعيد أمني خطر قد يجلب المنطقة إلى حرب إقليمية تعرقلها. وبحسب يدلين “على إسرائيل ألا تفوّت فرصة الصفقة أواسط الشهر الجاري، لأن إعادة أسرانا هو أمر أخلاقي من الدرجة الأولى، حتى قبل أي حساب لوضع أمني، فما نقوم به اليوم نتيجة غياب استراتيجية واضحة لدى متخذي القرار”. وأضاف: “الوضع الذي نعيشه اليوم في ظل تهديد حزب الله وإيران بإلحاق الضرر بإسرائيل، هو الدافع لبيان القمة فالكل مستعد ومتأهب وينتظر ليرى كيف ستنتهي جولة القتال هذه، وكيف ستكون ردود فعل حزب الله وإيران، وهذا بحد ذاته ليس في صالح الصفقة ولا الوضع الأمني، ولكن هي فرصة على إسرائيل ألا تفوتها بل نقولها بصراحة إنه كان يتوجب على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إرسال الوفد الى المفاوضات والعمل على استئنافها وهو موجود في واشنطن”.

أمام الشروط التي يضيفها نتنياهو وخلافاته الداخلية بشأن ملف المفاوضات والأسرى، وفي ظل اعترافه بعدم ثقته بالوفد الاسرائيلي المفاوض، هل يكون سبباً في إفشال المفاوضات، التي تعتبر من وجهة نظر الوسطاء، بمثابة “الفرصة الأخيرة”، خصوصاً وأن الجهود الديبلوماسية أسفرت حتى الآن عن ثني إيران و”حزب الله” عن تجميد ردهما على إسرائيل بإنتظار نتائج المفاوضات؟

في الاطار، أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الأربعاء، بأن من المتوقع أن تمارس إدارة بايدن “ضغوطاً كبيرة على جميع الأطراف للموافقة على الإطار المقترح على الفور، على الرغم من أن البيت الأبيض والوسطاء يستعدون لاحتمال فشلها”. ولفتت الصحيفة إلى أن “تفاصيل المقترح الجديد، وكيفية اختلافه عن الاقتراحات السابقة، لا تزال غير واضحة”.

شارك المقال