هوكشتاين حمل طروحاً مرنة وممرحلة للقرار 1701

زياد سامي عيتاني

كان لافتاً أن بدأ المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين زيارته الخامسة الى لبنان منذ بداية “طوفان الأقصى” بلقاء مع قائد الجيش جوزيف عون، قبل أن يجتمع بعدها برئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. وجاءت زيارة هوكشتاين في ذروة الاندفاعة الأميركية ديبلوماسياً و”أسطولياً” في الشرق الأوسط، قبيل إستئناف مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة، وذلك في محاولة جديدة لمواصلة الجهود الديبلوماسية الرامية إلى وقف التصعيد المستمر عبر الحدود اللبنانية الاسرائيلية منذ أكثر من عشرة أشهر وتحقيق الاستقرار على طول الخط الأزرق، نظراً الى الارتباط الوثيق بين حرب غزة وجبهة الجنوب.

ورأى المراقبون أن إستهلال هوكشتاين لقاءاته بالعماد عون، يتعلق بما تحمله حقيبته الديبلوماسية من رسائل ومقترحات للمسؤولين السياسيين (تحديداً الرئيس بري، المفوض من “حزب الله” بمحاورته)، لا سيما بشأن تنفيذ القرار الأممي، الذي يعطي دوراً بارزاً وفاعلاً للجيش في المناطق الحدودية، بحيث أراد المبعوث الأميركي الوقوف على قدرات الجيش اللبناني واستعداداته، لتنفيذ القرار 1701 كاملاً، وما هي إحتياجاته لإستكمال انتشاره في منطقة الليطاني، تنفيذاً للقرار، إذ ينتشر حالياً في تلك المنطقة حوالي أربعة آلاف عنصر من الجيش موزعين على ثلاثة قطاعات: الشرقي والغربي والأوسط، بينما يحتاج الجيش إلى 6 آلاف عنصر جديد للانتشار مجدداً في جنوب لبنان لتثبيت الاستقرار، كما يطالب معظم الاقتراحات التي قدمت طوال الفترة الماضية.

وعلى الرغم من أن دولاً عدة سبق أن أبدت استعدادها لتأمين ما يلزم للمؤسسة العسكرية حتى يتمكن الجيش من الانتشار في منطقة جنوب الليطاني، إلا أن هناك من ينتقد هذا القرار، لأنه لا يمكن دعم الجيش في الجنوب من دون دعم الألوية كافة المنتشرة في المناطق، ولا يمكن تجهيز وحدات وترك أخرى من دون أي تجهيزات، خصوصاً أن هذه الوحدات تتبدل بصورة دورية، ما يقتضي وجوب أن تتم مقاربة تجهيز الجيش ككل حتى يتمكن من القيام بمهماته.

يذكر أن فرنسا وبريطانيا سبق أن أبدتا الاستعداد لتدريب الجيش اللبناني وإدخال ما بين 7 آلاف و12 ألف جندي جديد، كما سعت فرنسا الى عقد مؤتمر دولي لدعمه، وتوفير المقدرات التي يحتاج إليها لضم عناصر جديدة وتوفير مستلزماتها، إلا أن عدم صدقية الدولة اللبنانية مع الدول المانحة، جراء الخلافات السياسية، هو المانع الأساسي الحالي أمام أية عملية لمساعدة الجيش.

أما على الجانب السياسي لزيارة هوكشتاين المتزامنة مع دخول منطقة الشرق الأوسط مرحلة خطيرة وحذرة، وبدء سباق محموم بين الجهود الديبلوماسية والتصعيد العسكري الذي يُنذر بحرب واسعة، فإن هذا التوتر المتصاعد دفع المبعوث الأميركي إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن الحاجة الى الحل الديبلوماسي أصبحت أكثر إلحاحاً مع تصاعد “الأعمال العدائية بين الطرفين” منذ زيارته الأخيرة إلى لبنان، حسب تعبيره. وأشار هوكشتاين، عقب لقائه الرئيس بري في عين التينة، إلى إمكان التوصل إلى حل ديبلوماسي، مشدداً على أن لا أحد يرغب في اندلاع حرب شاملة بين لبنان وإسرائيل.

ونقل عن مسؤول رسمي لبناني، أن هوكشتاين أبلغ من التقاهم أن واشنطن تبذل جهوداً كبيرة للتوصل إلى وقف النار في غزة، وأوضح أن اجتماع الدوحة سيتركز على جانبين أساسيين يتعلقان بالخطة التطبيقية للاتفاق، وأن هذه الاجتماعات (التي ستستمر يومين) ستكون مكثفة بهدف التوصل إلى اتفاق شامل لوقف النار. كما أكد هوكشتاين أن إدارة الرئيس جو بايدن تعمل على منع توسع المواجهة إلى لبنان، داعياً إلى تهدئة الأوضاع لتفادي تطور الأمور إلى حرب. وأوضح أن هناك قناعة أميركية بأن وقف القتال في غزة سيساهم في تهدئة الوضع في لبنان.

وأشارت مصادر متابعة الى أن زيارة هوكشتاين هذه المرة تؤكد أن هناك قراراً أميركياً حاسماً بوقف النار في غزة، وبدعم من مختلف العواصم في العالم، وبالتالي فإن الزيارة تهدف إلى تحقيق أمرين رئيسيين هما الترغيب والترهيب. بالنسبة الى الترهيب، أكد هوكشتاين أن أي رد فعل كبير من “حزب الله” خلال هذه الفترة سيعرّضه للمسؤولية أمام المجتمع الدولي باعتباره “معرقلاً لوقف إطلاق النار في غزة”. أما بالنسبة الى الترغيب، فيرتكز على تفعيل الحل الديبلوماسي عبر تطبيق القرار 1701، الذي يمنح “اليونيفيل” والجيش اللبناني السلطة للعمل في المناطق الحدودية، على أن يكون الثمن الذي يحصل عليه لبنان الرسمي و”حزب الله”، انسحاب اسرائيل من النقاط الحدودية المتنازع عليها.

وذكرت المصادر، أن هوكشتاين طرح خلال مباحثاته مرونة ممرحلة “للمراسيم التطبيقية” للقرار 1701، لا سيما ما يتعلق بدور الجيش اللبناني (الذي يحتاج الى دعم على الصعد كافة) كي يتمكن من أداء دوره كاملاً في شمال الليطاني، إضافة إلى طلب إنسحاب “قوة الرضوان” ما بين ٨ و١٠ كيلومترات عن الحدود مع إسرائيل. ورأت المصادر أن هذه الأفكار “المرنة” التي طرحها المبعوث الأميركي لتنفيذ القرار الأممي تدريجياً على مراحل، تنبع من قناعته بأن الوضع في الجنوب بعد حرب غزة بات أكثر تعقيداً، وبالتالي فإن تنفيذه يرتبط بصورة أساسية بما ستفضي إليه نتائج المفاوضات في الدوحة. فكما أن التوتر والتصعيد يكرّسان معادلة “وحدة الجبهات”، إن التوصل الى إتفاق لوقف إطلاق النار في غزة يكرّس معادلة “وحدة الحل”.

شارك المقال