“إن المحادثات للتوصل إلى اتفاق للهدنة وإعادة الرهائن المحتجزين في غزة وصلت الآن إلى نقطة تحول، وبلينكن سيؤكد لجميع الأطراف أهمية التوصل إلى هذا الاتفاق”.. هذا ما أكده مسؤول أميركي يرافق وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى إسرائيل، في زيارة هي العاشرة إلى المنطقة منذ بدء الحرب في تشرين الأول 2023، على أن يتوجه بعدها إلى مصر، التي ستستضيف جولة مفاوضات جديدة هذا الأسبوع، بعد اجتماعات عقدت الخميس والجمعة الماضيين في الدوحة. ولكن مسؤولاً أميركياً أقر بأن العملية التفاوضية لم تصل بعد إلى “مرحلتها النهائية”، مشيراً إلى أن الديبلوماسيين يعملون حالياً على إعداد “خلية” لتكون قادرة على أن تنفذ سريعاً شروط أي اتفاق محتمل.
إلا أن الرئيس الأميركي جو بايدن، لا يزال على تفاؤله، إذ أعلن الأحد، أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة “لا يزال ممكناً”. وقال بايدن للصحافة بعد قضائه عطلة نهاية الأسبوع في منتجع كامب ديفيد، إن المحادثات لا تزال جارية و”نحن لن نستسلم”. ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أميركيين أن الرئيس بايدن يهدف إلى التوصل إلى اتفاق “بحلول نهاية الأسبوع المقبل” (الجاري)، بينما يحاول أيضاً “ردع إيران وحزب الله عن شن هجوم على إسرائيل من شأنه أن يقوّض هذه الجهود”. وقال أحد المسؤولين للموقع الأميركي: “نعتقد أن الحزمة أصبحت جاهزة بشكل أساسي للتنفيذ”، موضحاً أن الاتفاق ليس مثالياً، لكنه “أفضل اتفاق ممكن في الوقت الحالي، من شأنه أن يؤدي إلى إطلاق سراح الرهائن وتخفيف معاناة سكان غزة وتقليل خطر اندلاع حرب إقليمية”. أضاف: “إذا واصلتم التفاوض لشهور أخرى وحاولتم الحصول على صفقة مثالية، فإنكم تخاطرون بعدم وجود رهائن يمكن إنقاذهم”. وأشار إلى أن الفريق الاسرائيلي “مُخوّل” من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التفاوض في الوقت الحالي مع مزيد من الاستقلالية.
يذكر أن الولايات المتحدة قدمت الخميس الماضي، بدعم من قطر ومصر اقتراحاً “يقلص الفجوات بين الطرفين ويتوافق مع المبادئ التي وضعها الرئيس بايدن في 31 أيار 2024 وقرار مجلس الأمن رقم 2735” بهدف التوصل إلى صفقة لتحرير الرهائن ووقف إطلاق النار من دون ذكر تفاصيل إضافية عن صيغة الاتفاق. وكانت “القناة 12” الاسرائيلية، كشفت مساء السبت، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين مطلعين على مجريات المفاوضات، عن تفاصيل قالت إنها للمرحلة الأولى للمقترح الأميركي، موضحة أنها حددت عدد وأسماء الرهائن الذين سيطلق سراحهم في هذه المرحلة، إذ تتضمن القائمة النساء والمجندات أولاً، ثمّ المحتجزون الأحياء. وأضافت القناة الاسرائيلية أن المقترح سيشمل قائمة بأسماء الفلسطينيين الذين سيطلق سراحهم مقابل كل رهينة إسرائيلية، ومن بينهم أسماء 47 فلسطينياً أُفرج عنهم خلال صفقة جلعاد شاليط وأُعيد اعتقالهم مرة أخرى. وأشارت القناة أيضاً إلى أن المقترح قدّم ملخصات أكثر تفصيلاً عن تحركات الجيش الاسرائيلي في مناطق مختلفة في قطاع غزة، خلال فترة الهدنة ووقف إطلاق النار. غير أن المقترح “لا يتضمن مسألة استمرار الوجود الاسرائيلي على طول الحدود بين غزة ومصر، ولا آلية منع عودة حماس إلى شمال غزة”، وهما النقطتان الأساسيتان التي اعتبرتهما “القناة 12” الاسرائيلية مهمتين في نظر نتنياهو.
وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن المقترح أشار أيضاً إلى إطلاق سراح أفيرا منغيستو وهشام السيد، وهما إسرائيليان أُخذا كرهائن لدى “حماس” منذ قرابة 10 سنوات. وفي الإطار نفسه، نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول إسرائيلي، أن إسرائيل وافقت على تقليص عدد الفلسطينيين الذين يمكن أن تعترض على إطلاق سراحهم مقابل زيادة عدد الرهائن الذين سيُفرج عنهم كل أسبوع خلال المرحلة الأولى من الاتفاق والتي ستستمر ستة أسابيع.
وسط هذا التفاؤل الأميركي، تبادل نتنياهو و”حماس”، الاتهام بإفشال جهود التوصل إلى اتفاق في مستهل زيارة وزير الخارجية الأميركي الى إسرائيل، حيث لا تزال هناك فجوات كبيرة بين اسرائيل والحركة، وفقاً لما تقوله مصادر إسرائيلية وفلسطينية وأخرى مطلعة على المحادثات. ووصف مكتب نتنياهو المحادثات بأنها “معقدة”، وأوضح في بيان بعد اجتماع لمجلس الوزراء أن إسرائيل لا تزال ملتزمة بشدة بالمبادئ الموضوعة للحفاظ على أمنها في المقترحات المقدمة في 27 أيار الماضي. وقال نتنياهو أمام الاجتماع: “أريد أن نؤكد أننا نجري مفاوضات وليس سيناريو نعطي فيه ونعطي فقط. هناك أمور يمكننا أن نكون مرنين في شأنها، وهناك أخرى لا يسعنا فيها ذلك، ونحن نصر عليها”، مضيفاً: “الضغط القوي على الصعيدين العسكري والديبلوماسي هو السبيل لضمان إطلاق سراح رهائننا”.
بدورها، أعلنت حركة “حماس” أنها تأكدت مرة أخرى بعد استماعها إلى الوسطاء في جولة المفاوضات الأخيرة أن رئيس الوزراء الاسرائيلي “لا يزال يضع العراقيل أمام التوصل إلى اتفاق”، مشددة على أنه “يضع شروطاً ومطالب جديدة بهدف إفشال جهود الوسطاء وإطالة أمد الحرب”. وأضافت الحركة في بيان: “المقترح الجديد يستجيب لشروط نتنياهو ويتماهى معها، خصوصاً رفضه لوقف دائم لإطلاق النار والانسحاب الشامل من قطاع غزة، وإصراره على مواصلة احتلال مفترق نتساريم ومعبر رفح وممر فيلادلفيا، ووضع شروطاً جديدة كذلك في ملف تبادل الأسرى وتراجع عن بنود أخرى، ما يحول دون إنجاز صفقة التبادل”. وأكدت “حماس” التزامها بما وافقت عليه في الثاني من تموز الماضي والمبني على إعلان الرئيس الأميركي وقرار مجلس الأمن، داعية الوسطاء إلى “تحمل مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه”.
إذاً، جولة القاهرة التفاوضية التي وصفت بأنها “نقطة تحول”، تشكل محاولة فعلية لدفع المباحثات الهادفة إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتحرير رهائن إسرائيليين في مقابل معتقلين فلسطينيين، على الرغم من أن مسؤولاً أميركياً أقر بأن العملية التفاوضية لم تصل بعد إلى “مرحلتها النهائية”، مشيراً إلى أن الديبلوماسيين يعملون حالياً على إعداد “خلية” لتكون قادرة على أن تنفذ سريعاً شروط أي اتفاق محتمل، في وقت أكد مسؤول أميركي كبير أن “هناك إجماعاً بين الدول الثلاث (الولايات المتحدة وقطر ومصر) على أن هذه العملية وصلت الآن إلى نهايتها”. هل تمر هدنة غزة خلال جولة مفاوضات القاهرة من معبر فيلادلفيا؟


