لم يدرك المصريون فداحة ما جرى يوم السادس من أكتوبر ١٩٨١، حين اغتيل السادات وسط جنرالات جيشه، بأيدي بعض جنوده، كان المشهد لا يزيح حاكماً فحسب، ولا يطوي صفحة فقط من صفحات التاريخ، لكنه كان يطوي عصراً ويدشن عصراً بعده، فقد كان السادس من أكتوبر ١٩٧٣ هو لحظة تاريخ تسنم الوطن أعلى ذراها، كنا طوال الحرب نتحدث عن “أبطال أكتوبر” ثم أصبحنا لا حديث لنا الا عن “البطل الوحيد” الذي أصبح لاحقاً بطلاً للحرب والسلام معاً.
راح السادات (بطل الحرب والسلام الوحيد) يعيد ترتيب البيت المصري وفق رؤية جديدة وضع نفسه فيها موضع “كبير العيلة” الذي تجب طاعته ولا تليق مناقشته. ضمن عملية اعادة الترتيب، اختفت وجوه، وجرى تلميع أو استدعاء وجوه جديدة، كان من بينها في الصحافة، عودة الأخوين مصطفى وعلي أمين، الأول عاد من السجن الى شارع الصحافة، بعد عفو رئاسي، تناقشت بشأنه مع أحد رجال الأمن القومي آنذاك، فأكد لي أنه عفو عن العقوبة وليس عفواً عن الجريمة التي أكد أنها ثابتة بأدلة قاطعة، وقال لي بالحرف الواحد: “أتحدى الأستاذ مصطفى أمين أن يرفع دعوى قضائية لاسقاط التهمة (التجسس) ورد الاعتبار!”. وللإنصاف فإن الاستاذ مصطفى أمين لم يطلب ولم يحصل على براءة من التهمة ولا رد للاعتبار من تهمة مخلة بالشرف. أما الأستاذ علي أمين فقد عاد من منفاه الاختياري في لندن.
عاد الأخوان أمين الى عرينهما في “أخبار اليوم”، ومعهما تجديد لملامح الصفحة الأولى التي ظهر فيها باب تحت عنوان “أخبار الغد” كان ينشر على ثلاثة أعمدة في يسار الصفحة الأولى.
أخطر ما نشره الأخوان مصطفى وعلي أمين في باب “أخبار الغد”، في مطلع عام ١٩٧٥ كان خبراً تحت عنوان “نائب رئيس جمهورية من الشباب”، فقد كان إشارة الى عملية واسعة لاعادة الهيكلة، يزيح بها السادات من تبقى من رموز حقبة عبد الناصر، أو يقلص نفوذهم، وكان أبرزهم حسين الشافعي نائب الرئيس السادات، ويحل وجوهاً اصطنعها بنفسه لنفسه.
رشحت الشائعات الوزير منصور حسن وكان نجمه صاعداً واعداً كأحد الوجوه الشابة (المدنية) المؤهلة للمنصب، أما من لم ترشحه الشائعات، فقد سعى بنفسه الى الدخول في قائمة المرشحين، وهذا بالضبط ما فعله د. عبد الحميد حسن الذي كان وقتها في حكومة د. عبد العزيز حجازي رئيساً للمجلس الأعلى للشباب والرياضة برتبة نائب وزير (ثم أصبح وزير دولة للشباب والرياضة عام 1979).
فوجئ رئيس الوزراء (حجازي) ذات صباح بخبر على ثلاثة أعمدة مع صورة في الصفحات الأولى من الجرائد الرئيسية الثلاث (الأهرام، الأخبار، الجمهورية) يقول: “السادات يستقبل عبد الحميد حسن”. لم يتسامح د. عبدالعزيز حجازي مع الخبر، ولا تجاوز عما اعتبره تجاوزاً له شخصياً من عبد الحميد حسن، فسأله أثناء اجتماع لمجلس الوزراء: لماذا ذهبت يا عبد الحميد للقاء الرئيس السادات من دون اذن مني؟
د. عبد الحميد حسن وقد عقدت الدهشة لسانه: يا دكتور، حضرتك تعرف ان الشباب لا يمكن الا أن يلبي نداء الوطن، فإذا طلب الرئيس اللقاء بالشباب فإنني لا يمكن أن أتأخر عن الاستجابة لطلبه.
د. حجازي يرفع سماعة هاتف عتيق مفتوح مباشرة على مكتب الرئيس السادات، ويسأل الرئيس: سيادتك يا فندم طلبت عبد الحميد؟!
السادات: يا عبد العزيز انت عارف انا ما أقدرش أتأخر عن ولادي، وعبد الحميد طلب يقابلني وأنا قابلته.
حجازي: لكن يا ريس كان لازم أكون في الصورة، لا يصح أن أعلم بالمقابلة من الصحف!
السادات: حقك يا عبدالعزيز.
التفت عبد العزيز حجازي الى عبد الحميد حسن مشيراً بسبابته الى الهاتف.
انتهت المكالمة، لكن طموح عبد الحميد حسن لم ينته، ولا توقف عند هذا الحد، فقد واصل الرجل سعيه الى الفوز بمنصب نائب الرئيس، لكن عين السادات كانت هناك في مقر قيادة القوات الجوية، حيث يجلس الفريق أول محمد حسني مبارك الذي أصبح في أبريل (نيسان) ١٩٧٥ نائباً للرئيس الى جانب حسين الشافعي الذي عرف بالخبر من الصحف اليومية، مثله مثل أي مواطن، لا صلة له بصنع القرار في مصر.
(واقعة توبيخ عبد الحميد حسن نقلاً عن مصدر في مجلس الوزراء آنذاك)






يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.