إنها سطور أكتبها لأعبّر فيها عن استيائي من عدم تقدير كفاءات بيروت، ولأن بيروت بالنسبة اليهم أصبحت وكأنها خارج الحسابات التي من المفترض أنها من حقها أصلاً من دون أي عطيّة أو فضل من أحد، فكل المناصب البيروتية لم تعد لأهلها الأصليين ناهيك عن التنكيل بالموجودين.
أصبحت بيروت مستباحة بأرضها كما بمراكزها، ظناً منهم أن أحداً لم يعد يسأل لا عنها ولا عن صلاحية أولادها وجدارتهم. ولنسلم جدلاً بأن هذا واقع وأن بيروت متروكة ليصبح السؤال حقاً من حقوقنا: هل فعلاً إذا تُرك الجبل والجنوب والمتن وبقية المناطق، تصبح مراكز أهلها مستباحة كما بيروت، أم أن بيروت فقط هي مكسر العصا الحقيقي لفعل كهذا؟ لنأخذ الموضوع من جانب آخر، هل تتعدى بيروت على مراكز غيرها لو كان الأمر معكوساً؟ طبعاً لا. صحيح جواب سريع، ببساطة لأن بيروت هي هكذا لا تعتدي ولا تظلم ولا تفتري وفي الوقت نفسه ترفض أن يعتدي ويفتري عليها أحد ويظلمها، ليس فقط لأنها العاصمة وهذه واحدة من ميزاتها التي تجبركم على احترامها كما تجبركم على إعطائها الأولوية في الحسابات، ومع كل هذا وذاك هي لم تطالب ولن تطالب بحق ليس لها، بل تسأل وتلح في السؤال عن عدالتكم معها؟
لا أطرح أزمة حالية إنما مسألة سبق أن حصلت، وبغض النظر عن التفاصيل فإن ما حصل مع السفير هاني شميطلي في وزارة الخارجية وقتها يؤكد أن هذا ما يحصل عندما يكون الوزير والمدير من إنتماءات سياسية متصارعة، فما بالكم اذا كان سنياً وتحديداً من بيروت؟ وهذا الأمر يطال اليوم محافظ جبل لبنان البيروتي القاضي محمد مكاوي، إذ يتعرض لحملة يطالب فيها مطلقوها باتخاذ الإجراء اللازم بإعفائه، وهو الذي يعمل بتوجيهات الحكومة والمجلس النيابي بمناقبية عالية ويمارس مهامه بخلفية وطنية لا شخصية، وعلى ما يبدو فهو يهاجم لأنه نظيف الكف والضمير إضافة الى اعتبارهم أن مكاوي لم يعد مسنوداً بالمعنى الطائفي الزائف الذي لا يفهمون إلا به، أو بمعنى آخر مكاوي البيروتي السني لم يعد هناك من يحميه، فليغتنموا فرصة إقالته من منصبه.
أما بالنسبة الى دورات الجيش والأمن العام وأمن الدولة وغيرها، فحدث ولا حرج، فهذا الموضوع بات يشكل نوعاً من القلق لدى البيارتة، لدرجة عدم الرضا في ما خص حصص الأكفاء في هذه الدورات، والتي تكاد تكون خالية من أسماء بيروتية. أما في ما خص التعيينات فكان آخرها في ٢٠١٧، وبقي معظم الادارات شاغراً أو بالإنابة، والنقطة هنا واضحة، فأهل بيروت يخشون الشغور المستمر كما ويفضلون ألا ينوب عنهم أحد، ومن هنا أستشعر أن أهل بيروت لن يسكتوا على كل ما يجري وسيتحركون في أكثر من اتجاه لمعرفة ما يجري بصورة دقيقة في ما خص مراكزهم التي يخافون من أن يخسروها.
الكل يعلم عن التوزيع الطائفي للمراكز، والكل يعلم أن الطوائف موجودة في لبنان أبد الدهر، والكل يعلم أن المناصفة صنعها رفيق الحريري لتنصف الجميع، فلا يمكن لأحد أن يمحوَ لا بيروت ولا أهلها، ولا الطائفة السنية في كل لبنان، فلكلٍ مراكزه في طائفته، والسنة لهم مراكزهم في بيروت وطرابلس وعكار والاقليم والجنوب والبقاع، نحن مجموعة طوائف فليبقَ التوزيع طائفي بالمناصفة وبالحق.


