قلت لصديقي ليلة ١٧ يناير (كانون الثاني) ١٩٧٧، لدى خروجنا من مسرح الطليعة بميدان العتبة: “هل تشم رائحة شياط مثلي؟”. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، بينما موجة برد حادة تجتاح الميدان فيما ننتظر أوتوبيس ٢٥ الذي سيحملنا من العتبة الى شبرا، أجاب صديقي: “لا توجد رائحة شياط في الجو”. قلت له: “البلد يحترق، أشم رائحة حريق كبير قادم”.
كنا قد شاهدنا للتو مسرحية “يا عنتر” بمسرح الطليعة، بطولة المرسي أبو العباس، وسهير طه حسين، ومحمود الجندي الذي تنبأت عقب هذا العرض بنجوميته القادمة.
كان مسرح الطليعة طليعياً بحق، وكان المشهد الأخير على خشبة المسرح في تلك الليلة، يشتمل على أغنية ترددها سهير طه حسين، تقول بعض كلماتها:
فلتنطفئ الشمس.. فما جدواها للعميان
أو يأتي الطوفان
فيصرخ الكورس: فليأتِ.. فليأتِ
ثم تصرخ سهير طه حسين: فليأتِ الطوفااااان.. فليأتِ.. فليأتِ
أو تنطفئ الشمس فما جدواها للعمياااان
قبل العرض، تلقى جمهور المسرح بعض الأوراق يلخص المسرحية ويشتمل على أشعار تغنيها سهير طه حسين أثناء العرض المسرحي، بدت لي الأوراق، كمنشورات سرية مطبوعة بطريقة “البالوظة” البدائية، لكنني كنت شديد الاحتفاء بها، فقد كانت تبث روحاً جديدة في الجمهور فحواها: أنتم لستم متفرجين.. أنتم شهود وربما شركاء.. بل أنتم الأبطال الحقيقيون لهذا المشهد.
مشحوناً بأجواء ما بعد العرض المسرحي في ليلة شتوية بامتياز، رحت أحدث صديقي عن الأجواء العامة في مصر بعد قرارات يناير برفع بعض الأسعار، كنت أراقب البخار المتصاعد من حلقي وأنا أتكلم وكأنه يكشف حال الغليان الداخلي لوطن بأكمله.
لم أكن بعد قد تحملت أعباء حقيقية، أو أنني ربما كنت أمتلك طاقة صبر واحتمال، لم أكن بعد قد اكتشفتها في نفسي، فلم أكن أهتم اذا نقص شيء من مؤونتي، ولا أحتفي كثيراً إن زادت.
فليأتِ اذن الطوفان.. كأنما كانت أبواب السماء مشرّعة حين صرخت سهير طه حسين بهذه العبارة اليائسة.. فقد جاء الطوفان في الليلة نفسها وشهدت مصر في اليوم التالي مباشرة، أول حظر تجول منذ أكثر من ربع قرن.
تأخر أوتوبيس ٢٥، أو ربما لم يأتِ أصلاً، وطال انتظارنا بميدان العتبة، في البرد، ومعنا بعض جمهور المسرحية. الجميع في حالة شحن معنوي ربما لم يتوقعها من أعدوا هذا النص المسرحي للعرض في أحد مسارح الدولة.
كان السادات في استراحة الرئاسة بأسوان يستمتع بالدفء، بينما كنا في زمهرير القاهرة، نستدفئ بنيران غضب استولى على مجامع قلوبنا. أصابنا اليأس من إمكان وصول الأوتوبيس الى موقف العتبة، فرحنا نتحرك في ثنائيات أو مجاميع لمغادرة الميدان البارد سيراً على الأقدام، قطعت وصديقي المسافة بين العتبة وشبرا سيراً على الأقدام. وفي الصباح التالي، كانت القاهرة قد أصابها الشلل، بفعل تظاهرات غضب، كانت تصرخ “أنور بيه.. أنور بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه”. عند عصر اليوم نفسه استطعت أن أرى أمين إسكندر محمولاً على الأعناق يقود تظاهرة في دوران شبرا، وكنت أستطيع أن أتبين بسهولة وجوه بعض رفاق الزمن الجميل من عناصر منظمة الشباب الاشتراكي التي كان السادات قد حلها قبل شهور، كان من بينهم محمد عوّاد أمين شباب روض الفرج، وسعد النمر أمين شباب المعادي، وشعبان حسين مسؤول شباب الأزبكية، وممدوح زهرة وغيرهم.
في المساء، ذهبت الى شارع عدلي بوسط البلد لتسلم صوري من أحد الاستديوهات، بحيث كنت أستكمل أوراق التقديم للعمل بوكالة “أنباء الشرق الأوسط”. ما إن دخلت وصديقي فناء العمارة مقر الاستديو، خلف متجر عرفة ودجاني لملابس الأطفال، حتى انفجر إطار زجاجي يعرض فيه الاستديو بعض الصور المميزة، بفعل طوبة ألقاها متظاهر بشارع عدلي. احتمينا في مدخل العمارة بعض الوقت، حتى تجاوز المتظاهرون الشارع، ثم سارعنا الى العبور باتجاه باب اللوق لالتقاط الترام المتجه الى شبرا. لكننا وصلنا بصعوبة الى المكان، حيث الاضطراب في كل مكان، كانت عناصر الشرطة تلاحق جموع المتظاهرين، بالهراوات. سارعنا الى الاحتماء في أحد المقاهي في الميدان كنت أتردد عليه آنذاك لخوض منافسات الشطرنج مع ثلة من المحترفين كان الأديب الراحل فتحي غانم أبرزهم. دعانا صاحب المقهى الى الاحتماء في ركن داخلي، ثم سارع الى إغلاق المقهى من الداخل.
مرت سويعات، استطعنا بعدها مغادرة المقهى، لكن وسائل النقل العام (أوتوبيس أو ترام) كانت غائبة، ما دفعنا الى العودة من باب اللوق الى شبرا سيراً على الاقدام، وفي الطريق كانت السلطات قد أعلنت فرض حظر التجوال لأول مرة منذ حوالي ربع قرن.
أمضيت وصديقي الليلة في غرفتي، نتناول بعض المشروبات الساخنة ونقرأ أشعاراً لأحمد فؤاد نجم، أو نستمع الى أغنيات الشيخ إمام.
كنت منحازاً اجتماعياً طول الوقت الى تلك الطبقة الفقيرة المعدمة، لكنني لم أكن قابلاً لاستلهام النموذج السوفياتي أو الصيني أو الفيتنامي، أو حتى الناصري عندما يتعلق الأمر بالحريات العامة والفردية، وبفهمي الخاص لفكرة دولة القانون.
وكنت أرى استحالة الجمع بين انفتاح الاقتصاد كما يراه السادات، وبين انغلاق قنوات التعبير في الوقت نفسه، فالضمانة الحقيقية لسلامة الاقتصاد الحر، هي تعزيز كل الحريات وفتح جميع نوافذ التعبير، وتمكين الطبقات الدنيا من حقوقها الأساسية في التعليم والصحة والعمل والسكن والرفاه الاجتماعي.
دوت رصاصة أطلقتها الشرطة لأول مرة لترهيب متظاهرين تحدوا حظر التجوال في شارع شبرا، واستطعت لاحقاً رؤية أثر الرصاصة في القضيب المعدني لخط الترام، وبدا أن السادات الذي أزعجته مظاهرات الخبز، مصمم على قمعها بكل الوسائل.
كان السادات، يرى في التظاهرات التي اتهم اليسار بتدبيرها، جحوداً لأفضاله على الشعب! وكان يشعر بمرارة خاصة تجاه تلك الأيام التي خرج فيها مصريون يطالبون بسقوط “كبير العيلة” كما كان يحب أن يصف نفسه..
لكن ما استكثره السادات على المصريين قد وقع في ١٧ و ١٨ يناير ١٩٧٧، واضطر الى استدعاء قاموسه الخاص لمداواة علته الخاصة، فخرج في خطاب عام الى الشعب وصف فيه ما جرى بأنه “انتفاضة حرامية”!
الحرامية، كانوا موجودين بالفعل، ولكن ليس في صفوف المتظاهرين وانما في صفوف رجال حول الرئيس، كان أغلبهم يتمتع بحصانة خاصة ضد المساءلة والملاحقة، هذه الحصانة بتداعياتها ومضاعفاتها، قادت مصر الى الانفجار الكبير في ٢٥ يناير٢٠١١.. وهذا حديث آخر.


